الهجوم على بيت الزهراء عليها الصلاة والسلام

الهجوم على بيت الزهراء عليها الصلاة والسلام


المسألة الأولى: إحراق بيتها ( عليها السلام )

إن إحراق بيت الزهراء من الأمور المسلمة القطعية في أحاديثنا وكتبنا، وعليه إجماع علمائنا ورواتنا ومؤلفينا، ومن أنكر هذا أو شك فيه أو شكك فيه فسيخرج عن دائرة علمائنا، وسيخرج عن دائرة أبناء طائفتنا كائنا من كان. أما في كتب أهل السنة، فقد جاءت القضية على أشكال، وأنا قد رتبت القضايا والروايات والأخبار في المسألة ترتيبا، حتى لا يضيع عليكم الأمر ولا يختلط، وحتى تكونوا على يقظة مما يفعلون في نقل مثل هذه القضايا والحوادث فإن القدر الذي ينقلونه أيضا يتلاعبون به، أما الذي لم ينقلوه، أما الذي منعوا عنه، أما الذي تركوه عمدا، فذاك أمر آخر، فالذي نقلوه كيف نقلوه؟.

وسأذكر لكم ما يتعلق بهذه المسألة تحت عناوين:

1. التهديد بالإحراق: بعض الأخبار والروايات تقول بأن عمر بن الخطاب قد هدد بالإحراق، فكان العنوان الأول التهديد، وهذا ما تجدونه في كتاب المصنف لابن أبي شيبة، من مشايخ البخاري المتوفى سنة 235 ه‍، يروي هذه القضية بسنده عن زيد بن أسلم، وزيد عن أبيه أسلم وهو مولى عمر، يقول: حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت[1].

وفي تاريخ الطبري بسند آخر: أتى عمر بن الخطاب منزل علي، وفيه طلحة والزبير [هذه نقاط مهمة حساسة لا تفوتنكم، في البيت كان طلحة أيضا، الزبير كان من أقربائهم، أما طلحة فهو تيمي] ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا سيفه، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه[2].

وأنا أكتفي بهذين المصدرين في عنوان التهديد. لكن بعض كبار الحفاظ منهم لم تسمح له نفسه لأن ينقل هذا الخبر بهذا المقدار بلا تحريف، لاحظوا كتاب الاستيعاب لابن عبد البر، فإنه يروي هذا الخبر عن طريق أبي بكر البزار بنفس السند الذي عند ابن أبي شيبة، يرويه عن زيد بن أسلم عن أسلم وفيه: إن عمر قال لها: ما أحد أحب إلينا بعده منك، ثم قال: ولقد بلغني أن هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولأن يبلغني لأفعلن ولأفعلن[3]. نفس الخبر، بنفس السند، عن نفس الراوي، وهذا التصرف ! وأنتم تريدون أن ينقلوا لكم إنه أحرق الدار بالفعل ؟ وأي عاقل يتوقع من هؤلاء أن ينقلوا القضية كما وقعت ؟ إن من يتوقع منهم ذلك إما جاهل وإما يتجاهل ويضحك على نفسه!!.

2. المجيء بقبس أو بفتيلة: وهناك عنوان آخر، وهو جاء بقبس أو جاء بفتيلة هذا أيضا أنقل لكم بعض مصادره: روى البلاذري المتوفى سنة 224 في أنساب الأشراف بسنده: إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك محرقا علي بابي ؟ ! قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك[4].

وفي العقد الفريد لابن عبد ربه المتوفى سنة 328: وأما علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر [ولم يكن عمر هو الذي بادر، بعث أبو بكر عمر بن الخطاب] ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم، أو تدخلوا ما دخلت فيه الأمة[5].

أقول: وقارنوا بين النصوص بتأمل لتروا الفوارق والتصرفات.

وروى أبو الفداء المؤرخ المتوفى سنة 732 ه‍ في المختصر في أخبار البشر الخبر إلى: وإن أبوا فقاتلهم، ثم قال: فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار[6].

3. إحضار الحطب ليحرق الدار: وهذا هو العنوان الثالث، ففي رواية بعض المؤرخين: أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار، وهذا في تاريخ المسعودي (مروج الذهب) وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج عن عروة بن الزبير، إنه كان يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، قال عروة في مقام العذر والاعتذار لأخيه عبد الله ابن الزبير: بأن عمر أحضر الحطب ليحرق الدار على من تخلف عن البيعة لأبي بكر[7]. أحضر الحطب هذا ما يقوله عروة بن الزبير، وأولئك يقولون جاء بشيء من نار فالحطب حاضر، والنار أيضا جاء بها، أتريدون أن يصرحوا بأنه وضع النار على الحطب، يعني إذا لم يصرحوا بهذه الكلمة ولن يصرحوا ! نبقى في شك أو نشكك في هذا الخبر، الخبر الذي قطع به أئمتنا، وأجمع عليه علماؤنا وطائفتنا؟!!

4. المجيء للإحراق: وهذه عبارة أخرى: إن عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه أو ليحرقه. وبهذه العبارة تجدون الخبر في كتاب روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر لابن الشحنة المؤرخ المتوفى سنة 882 ه‍، وكتابه مطبوع على هامش بعض طبعات الكامل لابن الأثير – وهو تاريخ معتبر – يقول: إن عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه على من فيه، فلقيته فاطمة فقال: أدخلوا فيما دخلت فيه الأمة.

هذا، وفي كتاب لصاحب الغارات إبراهيم بن محمد الثقفي، في أخبار السقيفة، يروي عن أحمد بن عمرو البجلي، عن أحمد ابن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) قال: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته. كتاب السقيفة لهذا المحدث الكبير لم يصلنا، نقل هذا المقطع عن كتابه المذكور: الشريف المرتضى في كتاب الشافي في الإمامة.

وعندما نراجع ترجمة هذا الشخص – إبراهيم بن محمد الثقفي المتوفى سنة 280 أو 283 ه‍ – نرى من مؤلفاته كتاب السقيفة وكتاب المثالب، ولم يصلنا هذان الكتابان، وقد ترجم له علماء السنة ولم يجرحوه بجرح أبدا، غاية ما هناك قالوا: رافضي. نعم هو رافضي، ألف كتاب السقيفة وألف كتاب المثالب، ونقل مثل هذه الأخبار، روى مسندا عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته. ومما يدل على صحة روايات هذا الشخص – إبراهيم بن محمد الثقفي – ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: لما صنف كتاب المناقب والمثالب أشار عليه أهل الكوفة أن يخفيه ولا يظهره، فقال: أي البلاد أبعد عن التشيع ؟ فقالوا له: إصفهان – إصفهان ذاك الوقت -، فحلف أن يخفيه ولا يحدث به إلا في إصفهان ثقة منه بصحة ما أخرجه فيه، فتحول إلى إصفهان وحدث به فيها[8].

ذكره أبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان. في هذه الرواية: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته، وأولئك كانوا يتجنبون التصريح بهذه الكلمة، صرحوا بالحطب صرحوا بالنار صرحوا بالقبس صرحوا بالفتيلة صرحوا بكذا وكذا، إلا أنهم يتجنبون التصريح بكلمة إنه وضع النار على الحطب، وتريدون أن يصرحوا بهذه الكلمة ؟ أما كانوا عقلاء؟ أما كانوا يريدون أن يبقوا أحياء ؟ إن ظروفهم ما كانت تسمح لهم لأن يرووا أكثر من هذا، ومن جهة أخرى، كانوا يعلمون بأن القراء لكتبهم والذين تبلغهم رواياتهم سوف يفهمون من هذا الذي يقولون أكثر مما يقولون، ويستشمون من هذا الذي يذكرون الأمور الأخرى التي لا يذكرون، أتريدون أن يقولوا بأن ذلك وقع بالفعل ويصرحوا به تمام التصريح، حتى إذا لم تجدوا التصريح الصريح والتنصيص الكامل تشكون أو تشككون، هذا والله لعجيب!

المسألة الثانية: إسقاط جنينها (عليها السلام)

لقد نصت رواياتهم على أنه كان لعلي (عليه السلام) من الذكور ثلاثة أولاد: حسن، وحسين، ومحسن أو محسن، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سمي هؤلاء بهذه الأسامي تشبيها بأسماء أولاد هارون: شبر شبير ومشبر، وهذا موجود في: مسند أحمد[9]، وموجود في المستدرك وقد صححه الحاكم[10]، والذهبي أيضا صححه[11]، وموجود في مصادر أخرى.

فيبقى السؤال: هل كان لعلي ولد بهذا الاسم أو لا؟ قالوا: كان له ولد بهذا الاسم… فأين صار؟ وما صار حاله؟ يقولون بوجوده ثم يختلفون، أتريدون أن يصرحوا تصريحا واضحا لا لبس فيه ولا غبار عليه؟! إنه في القضايا الجزئية البسيطة يتلاعبون بالأخبار والأحاديث، كما رأينا في هذه المباحث، وسنرى في المباحث الآتية، وفي مثل هذه القضية تتوقعون أن يصرحوا؟ نعم، عثرنا على أفراد معدودين منهم قالوا بالحقيقة وواجهوا ما واجهوا، وتحملوا ما تحملوا.

أحدهم: ابن أبي دارم المتوفى سنة 352 ه‍. قال الذهبي بترجمته: الإمام الحافظ الفاضل أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري بن أبي دارم التميمي الكوفي الشيعي [أصبح شيعيا!!] محدث الكوفة، حدث عنه الحاكم، وأبو بكر ابن مردويه، ويحيى بن إبراهيم المزكي، وأبو الحسن ابن الحمامي، والقاضي أبو بكر الجيلي، وآخرون. كان موصوفا بالحفظ والمعرفة، إلا أنه يترفض [لماذا يترفض؟] قد ألف في الحط على بعض الصحابة [12]. لا يقول أكثر من هذا: ألف في الحط على بعض الصحابة، فهو إذن يترفض.

ولو راجعتم كتابه الآخر ميزان الاعتدال فهناك يذكر هذا الشخص ويترجم له، وينقل عن الحافظ محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ أبي بشر الدولابي[13] فيقول: قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ – بعد أن أرخ موته – كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن[14]. كان مستقيم الأمر عامة دهره، لكنه في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، فهو – إذن – خارج عن الاستقامة!! أتذكر أن أحد الصحابة وهو عمران بن حصين – هذا الرجل كان من كبار الصحابة، يثنون عليه غاية الثناء، ويكتبون بترجمته إن الملائكة كانت تحدثه، لعظمة قدره وجلالة شأنه[15] – هذا الشخص عندما دنا أجله، أرسل إلى أحد أصحابه، وحدثه عن رسول الله بمتعة الحج – التي حرمها عمر بن الخطاب وأنكر عليه تحريمها – ثم شرط عليه أنه إن عاش فلا ينقل ما حدثه به، وإن مات فليحدث [16]. نعم، كان هذا الرجل مستقيم الأمر عامة دهره، لا ينقل مثل هذه القضايا، اقتضت ظروفه أن لا ينقل، ولذا كان مستقيم الأمر عامة دهره!! ثم في آخر أيامه عندما دنا أجله وقرب موته، حينئذ جعل يقرأ له المثالب ومنها هذا: دخلت عليه ورجل يقرأ فلولا دخول هذا الشخص عليه لما بلغنا هذا الخبر أيضا، اتفق أن دخل عليه هذا الراوي ووجد رجلا يقرأ له هذا الخبر، وذلك في أواخر حياته، حتى إذا مات، أو حتى إذا أوذي أو ضرب فمات على أثر الضرب، فقد عاش في هذه الدنيا وعمر عمره.

ورجل آخر هو: النظام، إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي المتوفى سنة 231 ه‍. هذا أيضا ينص على وقوع هذه الجناية على الزهراء الطاهرة وجنينها، وهذا الرجل كان رجلا جليلا، وكان من المعتزلة الجريئين الذين لا يخافون ولا يهابون، وله أقوال مختلفة في المسائل الكلامية، تذكر في الكتب، وربما خالف فيها المشهور بين العلماء، وكانت أقواله شاذة، إلا أنه من كبار العلماء، ذكروا عنه أنه كان يقول: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح عمر: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان بالدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين.

وممن نقل عنه هذا: الشهرستاني في الملل والنحل، والصفدي في الوافي بالوفيات[17]، ويوجد قوله هذا في غير هذين الكتابين. وممن عثرنا عليه: ابن قتيبة صاحب كتاب المعارف، لكن لو تراجعون كتاب المعارف الموجود الآن لا تجدون هذه الكلمة، الكتاب محرف.

ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 ه‍ ينقل عن كتاب المعارف قوله: إن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي[18]. أما في كتاب المعارف الموجود الآن بين أيدينا المحقق!! فلفظه: أما محسن بن علي فهلك وهو صغير[19]. وتجدون في كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي يقول: مات طفلا[20]. لكن البعض الآخر منهم – وهو الحافظ محمد بن معتمد خان البدخشاني وهذا من المتأخرين، وله كتب منها نزل الأبرار فيما صح من مناقب أهل البيت الأطهار، يقول بأنه مات صغيرا[21].

وعندما نراجع ابن أبي الحديد، نراه ينقل عن شيخه – حيث حدثه قضية هبار بن الأسود، وأنتم مسبوقون بهذا الخبر، وأن هذا الرجل روع زينب بنت رسول الله فألقت ما في بطنها – قال شيخه: لما ألقت زينب ما في بطنها أهدر رسول الله دم هبار لأنه روع زينب فألقت ما في بطنها، فكان لا بد أنه لو حضر ترويع القوم فاطمة الزهراء وإسقاط ما في بطنها، لحكم بإهدار دم من فعل ذلك.

هذا يقوله شيخ ابن أبي الحديد. فيقول له ابن أبي الحديد: أروي عنك ما يرويه بعض الناس من أن فاطمة روعت فألقت محسنا ؟ فقال: لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه[22]. نعم لا يروون، وإذا رووا يحرفون، وإذا رأوا من يروي مثل هذه القضايا فبأنواع التهم يتهمون.

المسألة الثالثة: كشف بيتها (عليه السلام)

وكشف القوم بيت فاطمة الزهراء، وهجموا على دارها، وهذا من الأمور المسلمة التي لا يشك ولا يشكك فيها أحد حتى ابن تيمية، ولو أن أحدا شك، فيكون حاله أسوأ من حال ابن تيمية، فكيف لو كان يدعي التشيع أو يدعي كونه من ذرية رسول الله وفاطمة الزهراء؟

ورووا عن أبي بكر أنه قال قبيل وفاته: إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله. وهذا حديث مهم جدا، والقدر الذي نحتاج إليه الآن:

أولاً: قوله: وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب.

ثانياً: قوله: وددت أني كنت سألت رسول الله لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد. أترونه صادقا في تمنيه هذا ؟ ألم يكن ممن بايع يوم الغدير وغير يوم الغدير من المواقف والمشاهد ؟ وأما هذا الخبر – خبر تمنيه هذه الأمور – ففي: تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد لابن عبد ربه، وفي الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام المحدث الحافظ الكبير الإمام، وفي مروج الذهب للمسعودي، وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة[23].

ولكن هنا أيضا يوجد تحريف، فراجعوا كتاب الأموال، فقد جاء فيه بدل قوله: وددت أني لم أكشف بيت فاطمة، هذه الجملة: وددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا. يحذفون الكلام ويضعون بدله كلمة: كذا وكذا!! أتريدون أن ينقلوا الحقائق على ما هي عليه؟ وممن تريدون هذا؟ وممن تتوقعون؟.

أما ابن تيمية، فلا ينكر أصل القضية، ولا ينكر تمني أبي بكر، وإنما يبرر!!لاحظوا تبريره هذه المرة يقول: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شئ من مال الله الذي يقسمه ليعطيه للمسلمين!! وكذلك يفعلون!! وكذلك يقولون!! ذكرنا مسألة فدك، وإحراق البيت، وإسقاط الجنين، وكشف البيت وهجومهم على البيت بلا إذن وأنهم فعلوا ما فعلوا!! قضايا أخرى وبقيت أمور أتعرض لها باختصار:

الأمر الأول: إن فاطمة سلام الله عليها ماتت ولم تبايع أبا بكر، ماتت وهي واجدة على أبي بكر، وهذا موجود في الصحاح وغيرها، وقد قرأنا نص الحديث عن عائشة.

أترون أنها ماتت بلا إمام؟

ماتت ولم تعرف إمام زمانها؟

وماتت ميتة جاهلية وهي التي فضلوها على أبي بكر وعمر؟

وهي التي قالوا بأن إيذاءها كفر ومحرم؟

ماتت بغير إمام ميتة جاهلية؟

أيقولها أحد؟

فمن كان إمامها؟

الأمر الثاني: إن عليا (عليه السلام) لم يؤذن أبا بكر بموت الزهراء، ولم يخبره بأمرها، ولم يحضر لا هو ولا غيره للصلاة عليها.

وأنتم تعلمون أن الصلاة على الميت في تلك العصور كانت من شؤون الخليفة، ومع وجود الخليفة أو أمير المدينة لا يحق لأحد أن يتقدم للصلاة على ميت إلا بإذن خاص، ولذا لما دفنوا عبد الله بن مسعود بلا إذن وبلا إخبار من عثمان، أرسل عثمان إلى عمار بن ياسر وضرب عمار لهذه الغاية، ولهذا السبب، وله نظائر كثيرة. فكان عدم إخباره أبا بكر للحضور للصلاة رمزا وعلامة لرفض إمامته وخلافته. ولكن القوم يعلمون بهذا، القوم يعلمون بأن عدم صلاة أبي بكر على الزهراء دليل على عدم إمامته، فوضعوا حديثا بأن عليا أرسل إلى أبي بكر، فجاء أبو بكر وجاء معه عمر وعدة من الأصحاب وصلوا على الزهراء، واقتدى علي بأبي بكر في تلك الصلاة، وكبر أبو بكر أربعا في تلك الصلاة!! لاحظوا الكذب!!.

أنقل لكم هذا النص: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمة عبد الله بن محمد بن ربيعة بن قدامة القدامي المصيصي: أحد الضعفاء، [هذا الشخص أحد الضعفاء] أتى عن مالك [مالك بن أنس] بمصائب منها: عن جعفر بن محمد. يتقولون على أهل البيت ويضعون الأخبار عن أهل البيت أنفسهم! وكم له من نظير، ولي مذكرات من هذا القبيل، إنهم كثيرا ما يضعون الأشياء عن لسان أهل البيت، عن لسان أمير المؤمنين وأبنائه، وعن لسان ولده محمد بن الحنفية ينقلون كثيرا من الأشياء، عندي مذكرات في هذا الباب.

وهذا الخبر: عن جعفر بن محمد يرويه عن أبيه الباقر عن جده قال: توفيت فاطمة ليلا، فجاء أبو بكر وعمر وجماعة كثيرة، فقال أبو بكر لعلي: تقدم فصل، قال لا، لا والله لا تقدمت وأنت خليفة رسول الله، فتقدم أبو بكر وكبر أربعا[24]. هذا من مصائب أمتنا، أن لا تنقل القضايا كما هي، وتوضع في مقابلها موضوعات.

الأمر الثالث: وكان دفنها ليلا بوصية منها، لتبقى مظلوميتها على مدى التأريخ، وخطاب أمير المؤمنين رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند دفنها يكشف للتاريخ جوانب كثيرة من المصائب والحقائق، وحقيق على كل مؤمن أن يراجع تلك الخطبة لأمير المؤمنين عند دفن الزهراء سلام الله عليها.

يقول ابن تيمية في مقام الجواب: كثير من الناس دفنوا ليلا. ولكن فاطمة أوصت أن تغسل ليلا وأن تدفن ليلا، وأن لا يخبر أحد ممن آذاها.

المصدر : مظلومية الزهراء (عليها السلام) تأليف: السيد علي الميلاني

الهجوم على دار الزهراء عليها السلام وما ترتب عليه :

مضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة ، ولم يبق حول جثمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أقاربه ومواليه ، وهم الذين تولوا غسله وتكفينه وإدخاله قبره ومواراته ، وهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وعمه العباس رضي الله عنه وابناه الفضل وقثم ، وأسامة بن زيد مولاه ، وقيل : شقران ، أو صالح مولاه صلى الله عليه وآله وسلم[25].

فارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللغط بين المهاجرين والأنصار ، ثم إن عمر بن الخطاب ضرب على يد أبي بكر فبايعه الناس ، ثم أتوا به المسجد يبايعونه ، فسمع العباس وعلي عليهما السلام التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[26] .

وكان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أن عليّاً عليه السلام هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[27] ، فتخلّف قوم من المهاجرين والأنصار وجمهور الهاشميين عن بيعة أبي بكر ، وكان منهم : العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبرّاء بن عازب ، وأُبي بن كعب ، وعتبة بن أبي لهب ، وغيرهم[28] ، وروي أنّهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاً عليه السلام[29].

وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد اعتزل الناس بعد أن فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعكف على جمع القرآن الكريم بعهدٍ من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وروي أنّه عليه السلام قال : « لا أرتدي حتى أجمعه » ، وقالوا : إنّه لم يرتدِ إلاّ للصلاة حتى جمعه[30].

وفي تلك الأثناء بلغ أبو بكر أن جماعة منهم العباس قد اجتمعوا مع علي ابن أبي طالب عليه السلام في منزل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث إليهم عمر بن الخطاب ، وخالد بن الوليد في رجالٍ من الأنصار ونفرٍ من المهاجرين أرسلهم أبو بكر رِدءاً لهما ، كزياد بن لبيد الأنصاري ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأُسيد بن حُضير ، ومسلمة بن سلامة بن وقش ، ومحمد بن مسلمة ، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي ، وسلمة بن أسلم[31] ، والمغيرة بن شعبة ، وسالم مولى أبي حذيفة[32].

فجاء عمر بن الخطاب فناداهم وهم في دار علي عليه السلام : لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها! فقيل له : يا أبا حفص؟ إنّ فيها فاطمة! فقال : وإن[33] !! .

فلمّا سمعت فاطمة عليها السلام أصواتهم نادت بأعلى صوتها : « يا أبتِ يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟! » فلمّا سمع القوم صوتها وبكائها انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر ومعه قوم[34] ، فاقتحموا الدار ، فصاحت فاطمة عليها السلام وناشدتهم الله[35] ، وجعلت تبكي وتصيح[36].

وخرج إليهم الزبير مصلتاً سيفه ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ، فندر السيف من يده ، فضرب به عمر الحجر فكسره[37] ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً[38] .

وروي أنّهم قالوا : ليس عندنا معصية ولا خلاف . . وإنما اجتمعنا لنؤلف القرآن في مصحف واحد ، ثم بايعوا أبا بكر[39] .

واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثيرة من الهاشميات وغيرهنّ ، فخرجت إلى بابها ، وقالت : « يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أُكلّم عمر حتى ألقى الله »[40] .

وقالت عليها السلام : « لا عهد لي بقومٍ حضروا أسوأ محضرٍ منكم ، تركتم رسول الله جنازةً بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تروا[41] لنا حقاً[42] ، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خمّ ، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ، ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم ، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة »[43].

المصدر : كتاب سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام تأليف : علي موسى الكعبي

————————————————————————

الهوامش

[1] المصنف لابن أبي شيبة 7 / 432.

[2] تاريخ الطبري 3 / 202.

[3] الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3 / 975.

[4] أنساب الأشراف 1 / 586.

[5] العقد الفريد 5 / 13.

[6] المختصر في أخبار البشر 1 / 156.

[7] مروج الذهب 3 / 86، شرح ابن أبي الحديد 20 / 147.

[8] لسان الميزان 1 / 102.

[9] مسند أحمد 1 / 118.

[10] المستدرك على الصحيحين 3 / 165.

[11] المستدرك على الصحيحين. ذيله.

[12] سير أعلام النبلاء 15 / 576.

[13] سير أعلام النبلاء 14 / 309.

[14] ميزان الاعتدال 1 / 139.

[15] الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 26.

[16] نص الخبر: عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني محدثك بأحاديث، لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم علي وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي، واعلم أن نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله، فقال رجل برأيه فيها ما شاء. راجع باب جواز التمتع من الصحيحين، وهو في المسند 4 / 434.

[17] الملل والنحل 1 / 59، الوافي بالوفيات 6 / 17.

[18] مناقب آل أبي طالب 3 / 358.

[19] المعارف: 211.

[20] ذكرة خواص الأمة: 54.

[21] نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار: 74.

[22] شرح نهج البلاغة 14 / 192.

[23] كتاب الأموال: 131، الإمامة والسياسة 1 / 18، تاريخ الطبري 3 / 430، العقد الفريد 2 / 254.

[24] لسان الميزان 3 / 334.

[25] الطبقات الكبرى | ابن سعد 2 : 277 ـ 278 . والعقد الفريد | ابن عبد ربه 3 : 296 ، المكتبة التجارية ـ مصر . وتاريخ الإسلام | الذهبي 1 : 575 ـ 576 . وتاريخ الطبري 3 : 213 .

[26] العقد الفريد | ابن عبد ربه 5 : 10 ـ 11 .

[27] الموفقيات | الزبير بن بكار : 580 | 380 عن محمد بن اسحاق . وتاريخ اليعقوبي 2 : 124 . وشرح ابن أبي الحديد 6 : 21 .

[28] تاريخ اليعقوبي 2 : 124 . وتاريخ أبي الفداء 2 : 63 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 49 .

[29] شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .

[30] اُنظر : الاتقان | السيوطي 1 : 204 . والطبقات الكبرى | ابن سعد 2 : 338 . ومناهل العرفان 1 : 247 . وكنز العمال 2 : 588 | 4792 . وشرح ابن أبي الحديد 1 : 27 و 2 : 56 .

[31] راجع : مستدرك الحاكم 3 : 66 . وسنن البيهقي 8 : 152 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 50 و 51 و 56 و 57 ، و 6 : 11 و 47 و 48 .

[32] الجمل | الشيخ المفيد : 117 .

[33] الإمامة والسياسة | ابن قتيبة 1 : 12 .

[34] الإمامة والسياسة | ابن قتيبة 1 : 13 . وأعلام النساء | كحالة 4 : 114 ـ 115 .

[35] شرح ابن أبي الحديد 2 : 50 ، و 6 : 47 .

[36] شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .

[37] وفي رواية الطبري 3 : 202 أنّ الزبير عثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه . وروي أنّ الذي أخذ سيف الزبير وكسره هو محمد بن مسلمة . راجع مستدرك الحاكم 3 : 66 . وسنن البيهقي 8 : 152 . وكنز العمال 5 : 597 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 51 ، و 6 : 48 . وفي ج6 ص11 منه أنّه سلمة بن أسلم .

[39] شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 ، و 6 : 48 .

[15] شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .

[40] السقيفة وفدك | الجوهري : 73 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 57 ، و 6 : 49 .

[41] في الإمامة والسياسة : ولم تردّوا .

[42] الإمامة والسياسة 1 : 13 . والأمالي | الشيخ المفيد : 49 | 9 . والاحتجاج | الطبرسي : 80 .

[43] الاحتجاج | الطبرسي : 80 .