مبيت أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام) في فراش النبي صلى الله عليه وآله

مبيت أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام


على فراش النبي صلى الله عليه وآله


( وأشبهت في البيات على الفراش الذبيح (عليه السلام) إذ أجبت كما أجاب، وأطعت كما أطاع إسماعيل محتسباً صابراً إذ قال ] يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [[1].

وكذلك أنت لما أباتك النبي (صلى الله عليه وآله) وأمرك أن تضطجع في مرقده واقياً له بنفسك أسرعت إلى إجابته مطيعاً، ولنفسك على القتل موطناً فشكر الله تعالى طاعتك وأبان من جميل فعلك بقوله جلّ ذكره ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [[2] )[3].

أخبر جبرائيل ( عليه السلام ) النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأن الله عزَّ وجلَّ يأمره بالهجرة إلى المدينة .

فدعا ( صلى الله عليه وآله ) أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) وأخبره بذلك ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) له : ( أمَرَني اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ آمُرك بالمبيت في فراشي ، لكي تخفي بِمَبيتِك عليه أثري ، فما أنتَ صانع ؟ ) .

فقال أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) : ( أوَ تسلمنَّ بِمَبيتي يا نَبيَّ الله ؟ ) .

قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نَعَمْ ) .

فتبسَّم الإمام ( عليه السلام ) ضاحكاً ، وأهوى إلى الأرض ساجداً .

فبات أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) تلك الليلة في فراش النبي ( صلى الله عليه وآله ) موطِّناً نفسه على القتل .

وجاءت رجال من قريش لتنفيذ المؤامرة ، فلما أرادوا أن يضعوا أسيافهم فيه ، وهم لا يشكُّون أنه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فأيقظوه ، فرأوه الإمام علياً ( عليه السلام ) فتركوه ، وتفرَّقوا في البحث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وقبل أن يهاجر النبي ( صلى الله عليه وآله ) اتَّصل ب أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) ، وأمره أن يذهب إلى مكة وينادي صارخاً : ( مَنْ كانَ لَهُ قِبل مُحمَّدٍ أمانة أو وديعَة فليأتِ ، فلنؤدِّ إليه أمانتَه ) .

ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) له : ( إنَّهم لَن يَصِلوا إليك مِنَ الآن – يا علي – بأمرٍ تكرهُه حتَّى تُقدم عَليَّ ، فأدِّ أمانتي على أعيُن الناس ظاهراً ) .

وبعد أن استقرَّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة المنوَّرة كَتَب إلى أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) كتاباً أمَرَه فيه بالمسير إليه .

فخرج الإمام علي ( عليه السلام ) من مكة بركب الفَواطم ، مُتَّجِهاً نحو المدينة ، ومعه فاطِمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وأمه فاطمة بنت أسد ( رضوان الله عليها ) ، وفاطمة بنت الزبير .

فلحقه جماعة متلثَّمين من قريش ، فعرفهم أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) وقال لهم : ( إنِّي مُنطَلِق إلى ابن عَمِّي ، فمن سَرَّه أن أفري لحمه وأُهريقَ دمه فَلْيتَبَعني ، أو فَليَدْنُ مني ) .

ثم سار الإمام ( عليه السلام ) وفي كل مكان ينزل كان يذكر الله مع الفواطم قياماً وقعوداً ، وعلى جنوبهم .

فلما وصلوا المدينة نزل قوله تعالى : ] فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ [[4] .

فقرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الآية عليهم ، فالذكَر هو الإمام علي ( عليه السلام ) ، والأنثى هُنَّ الفَواطِم .

ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) للإمام علي ( عليه السلام ) : ( يَا عَلي ، أنتَ أوَّل هَذه الأمة إيماناً بالله ورسُولِه ، وأولهم هِجْرة إلى الله ورسُولِه ، وآخرهم عَهْداً برسولِه. لا يُحبّك – والَّذي نَفسي بِيَده – إلاَّ مُؤمِن قَد امتحنَ اللهُ قلبَه للإيمان ، ولا يبغضُكَ إلاَّ مُنافِق أو كَافِر ).

روى الفخر الرازي في التفسير الكبير في تفسير قول الله تعالى ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [[5]. ، قال : نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة خروجه إلى الغار .

قال : ويروى أنه لما نام على فراشه صلى الله عليه وسلم ، قام جبريل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك الملائكة ، ونزلت الآية ، يعني بها : ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [[6] [7].

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بإسناده إلى الأستاذ أبي إسحاق ، أحمد بن إبراهيم الثعلبي المفسر ، قال : رأيت في بعض الكتب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أراد الهجرة ، خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديون ، ورد الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خرج إلى الغار ، وقد أحاط المشركون بالدار ، أن ينام على فراشه ، وقال له : اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ، فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه ، إن شاء الله تعالى ، ففعل ذلك ، فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام : إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله عز وجل إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين نبيي محمد ، فبات على فراشه يحرسه ، يفديه ، بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه ، فنزلا ، فكان جبريل عند رأس علي ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله عز وجل به الملائكة ، فأنزل الله عز وجل على رسوله ، وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [ [8] .

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني بعد أن هاجر أصحابه إلى المدينة – ينتظر مجيء جبريل عليه السلام ، وأمره له أن يخرج من مكة ، بإذن الله له في الهجرة إلى المدينة ، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت بالنبي ، وأرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرادوا ، أتاه جبريل عليه السلام ، وأمره أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه.

وقد نقل اليعقوبي في تاريخه:أجمعت قريش على قتل رسول الله وقالوا: ليس له اليوم أحد ينصره وقد مات أبو طالب، فاجمعوا جميعاً على أن يأتوا من كل قبيلة بغلام نهد فيجتمعوا عليه فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فلا يكون لبني هاشم قوّة بمعاداة جميع قريش… إلى أن قال: وخلف علياً على فراشه لردّ الودائع التي كانت عنده وصار إلى الغار فكَمِنَ فيه، وأتت قريش فراشه فوجدوا علياً…[9].

———————–

الهوامش

[1] سورة الصافات , الآية : 102.

[2] سورة البقرة , الآية :: 207

[3] زيارة أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) يوم عيد الغدير.

[4] سورة آل عمران , الآية : 195

[5] سورة البقرة , الآية : 207

[6] سورة البقرة , الآية : 207

[7] فضائل الخمسة 2 / 309 .

[8] أسد الغابة 4 / 103 – 104 ، سورة البقرة : آية 207 .

[9] تاريخ اليعقوبي: ج 2