هجرة النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين من مكة إلى المدينة

خروج النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين


من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة


] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ الأنفال30

سبب النزول ذكـر المفسرون والمحدثون أن الآية – محل البحث – تشير إلى الحوادث التي أدت إلى هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة إلى المدينة .

هذه الحوادث وإن رويت بعبارات مختلفة ألا أنها تتفق جميعاً على حقيقة أن اللّه عز وجل قد أنقذ نبيه الكريم عن طريق الإعجاز من خطر محدق به , ونروي هذه الحادثة وفقاً لما وردت في الدر المنثور ومجمع البيان ذيل الآية آنفاً [ قال المفسرون : أنها نزلت في شان دار الندوة وذلك أن نفرا من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب , وتأمروا في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال عروة بن هشام : نتربص به ريب المنون , وقال أبو البختري : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه , وقال أبو جهل : ما هذا برأي , ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد… فيرضى بنو هاشم حينئذ بالدية , فصوب إبليس هذا الرأي , وكان قد جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد, وخطا الأولين .

فـاتفقوا على هذا الرأي واعدو الرجال والسلاح وجاء جبرائيل (عليه السلام) فاخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إلى الغار وأمر علياً فبات على فراشه , فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش , وجدوا علياً (عليه الصلاة والسلام) وقد رد اللّه مكرهم فقالوا : أين محمد ؟ فقال : لا أدري , فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه , فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت , فقالوا: لو كان ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثاً ثم قدم المدينة ].

التفسير سر بداية الهجرة : يعتقد بعض المفسرين أن هذه الآية , وخمس آيات تليها, نزلت في مكة لأنها تشير إلى هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) , ولكن سياقها يدل على نزولها بعد الهجرة , إذ تتكلم على حادثة سابقة .

فبناء على ذلك تكون هذه الآية قد نزلت في المدينة بالرغم من حديثها عن هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتحدث عن الذكرى الكبرى والنعمة العظمى التي من اللّه بها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين .

فتقول في بدايتها ] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ الأنفال30 . كلمة المكر كما ذكرنا سلفا تعني في اللغة التدبير والتخطيط والحيلة . ثم تضيف الآية قائلة : ] وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ الأنفال30 .

فإذا أمعنا النظر في موضوع هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإننا سنجد أن المشركين قد بذلوا كل ما في وسعهم وجـهـدهم من طاقات فكرية وجسدية للقضاء على نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) , حتى أنهم اعدوا جائزة لهذا الغرض وهي مئة ناقة , وهذا العدد من الإبل كان يعد ثروة كبرى يومئذ هذه الجائزة لكل من يقبض عـلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعد أن خرج عن قبضتهم وقد طفق الكثير يجوبون الفيافي والجبال ليبحثوا عنه طلباً لتلك الجائزة الكبرى حتى بلغوا الغار, ولكن اللّه سبحانه اذهب بأتعابهم أدراج الرياح بواسطة نسيج العنكبوت ونـظـرا إلى أن هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمثل مرحلة جديدة في التاريخ الإسلامي , بل التاريخ الإنساني.

فإننا نستنتج أن اللّه قد غير مسيرة التاريخ البشري بما نسجته العنكبوت من خيوط وهذا الأمر لا ينحصر بهجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) , بل في جميع تاريخ الأنبياء, فإن اللّه سبحانه أذل أعداءهم ودمرهم وأباد قوى الضلال بأسباب هينة كالريح – مثلا – أو كثرة البعوض , أو الطير الـصغيرة التي تسمى بالأبابيل , ليبين حالة الضعف البشري والعجز إزاء قدرته اللامتناهية وليردع الإنسان عن التفكير بالطغيان والعناد.

ومما يسترعي النظر أن الالتجاء إلى هذه الأساليب الثلاثة : السجن والنفي والقتل , لم يكن منحصرا بالمشركين في مواجهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحسب , فان الطغاة يلجئون إلى هذه الأساليب الثلاثة دائما للقضاء على المصلحين وإسكاتهم , والحيلولة دون بسط نفوذهم بين المستضعفين , إلا أنه كما كانت النتيجة خـلاف مـا أراده مشركو مكة في شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأضحت مقدمة لتحرك إسلامي جديد, فكذلك مثل هذه المواجهات الشديدة قد باءت نتائجها في مواطن أخرى بعكس ما كان متوقعا.

كيفية هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ) إلى المدينة :

لبث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكانه مع علي (عليه الصلاة والسلام) يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين , ثم خرج في فحمة العشا الآخر , والرصد من قريش قد طافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين , فخرج وهو يقرأ هذه الآية : ] وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [ يس9 , وأخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم , فما شعر القوم به حتى تجاوزهم ومضى ودخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الغار.

فلما غلق الليل أبوابه وأسدل أستاره وانقطع الأثر اقبل القوم على علي (عليه الصلاة والسلام) يقذفونه بالحجارة فلا يشكُّون أنه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على علي (عليه الصلاة والسلام) ـ وكانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها ـ فلما بصر بهم علي (عليه الصلاة والسلام) قد انتشوا السيوف واقبلوا عـلـيـه بها يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة وثب علي فختله وهمز يده فجعل خالد يقمص قماص الـبكر ويرغو رغا الجمل ويذعر ويصيح , وهم في عرج الدار من خلفه , وشد عليهم علي (عليه الصلاة والسلام) بـسيفه ـ يعني سيف خالد ـ فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار , وتبصروه فإذا علي (عليه الصلاة والسلام) , قـالوا :وإنك لعلي ؟ قال : أنا علي , قالوا : فانا لم نردك فما فعل صاحبك ؟ قال : لا علم لي به فاذكت قريش عليه العيون وركبت في طلبه الصعب والذلول.

وقال القمي في تفسيره : فلما أمسى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) جاءت قريش ليدخلوا عليه. فقال أبو لهب : لا أدعكم أن تدخلوا بالليل فان في الدار صبياناً ونساءٍ ولأنا من أن تقع بهم يد خاطئة , فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه فناموا حول حجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أن يفرش له ففرش له.

فقال لعلي بن أبي طالب : افدني بنفسك.

قال : نعم يا رسول اللّه.

قال : نم على فراشي والتحف ببردتي فنام على فراش رسول اللّه والتحف ببردته .

وجاء جبرائيل فاخذ بيد رسول اللّه فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرا عليهم ] وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [ يس9 , وقال له جبرائيل : خذ على طريق ثور وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور فدخل الغار.

وروى الطوسي في أماليه بسند عن الواقدي بسنده عن ابن عباس قال : اجتمع المشركون في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) , واتى جبرائيل رسول اللّه فاخبره الخبر , وأمره أن لا ينام في مـضجعه تلك الليلة فلما أراد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) المبيت أمر علياً (عليه الصلاة والسلام) أن يبيت في مضجعه (صلى الله عليه وآله وسلم) ) فبات علي (عليه الصلاة والسلام) وتـغـشى ببرد أخضر حضرمي كان لرسول اللّه ينام فيه , وجعل السيف إلى جنبه فلما اجتمع أولئك النفر من قريش يطوفون ويرصدونه يريدون قتله , خرج رسول اللّه وهم جلوس على الباب خـمـسـة وعـشرون رجلا , فاخذ حفنة من البطحاء ثم جعل يذرها على رؤوسهم وهو يقرا ] يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) [ حتى بلغ ] فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [ فقال لهم قائل : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً قال : خبتم وخسرتم قد واللّه مر بكم فما منكم رجل إلا وقد جعل على رأسه تراباً واللّه ما أبصرناه.

وروى الـحبري في ((ما نزل من القرآن في أهل البيت )) بسنده عن ابن عباس أيضاً قال : لما انطلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الغار فأنام علياً (عليه الصلاة والسلام) مكانه والبسه برده وجاءت قريش تريد أن تقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعلوا يرمون علياً وهم يرون أنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يتضور فنظروا فإذا هو علي (عليه الصلاة والسلام) فقالوا : إنك النائم ؟.

وروى الطوسي في أماليه بسنده عن الحسن البصري عن أنس بن مالك قال : لما توجه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الغار ـ ومعه أبو بكر ـ أمر النبي علياً أن ينام على فراشه ويتغشى ببردته فبات علي موطناً نفسه على القتل وجاءت رجال من قريش من بطونها يريدون قتل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) , فلما أرادوا أن يضعوا أسيافهم فيه لا يشكون أنه محمد , أيقظوه فرأوه علياً فتركوه وتفرقوا في طلب رسول اللّه.

وقال القمي في تفسيره : فلما أصبحت قريش أتوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش , فوثب علي (عليه الصلاة والسلام) فـي وجوهم وقال : ما شأنكم ؟ قالوا له : أين محمد ؟قال : أجعلتموني عليه رقيباً ؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا ؟ , وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له : أبو كرز , يقفوا الآثار , فقالوا له : يا أبا كرز اليوم اليوم. فوقف بهم على حجرة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : هذه قدم محمد , واللّه إنها لأخت القدم التي في المقام هذه قدم ابن أبي قحافة أو أبيه , فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار ثم قال : ما جاوزوا هذا المكان , إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا تحت الأرض . وبعث اللّه العنكبوت فنسجت على باب الغار وصرفهم اللّه عن رسوله فتفرقوا.

وقال الطبرسي في ((أعلام الورى )) : وخرج القوم في طلبه , فعمى اللّه أثره وهو نصب أعينهم , وصدهم عنه واخذ بأبصارهم دونه , وهم دهاة العرب , وبعث اللّه العنكبوت فنسجت في وجه الغار فسترته وآيسهم ذلك من الطلب . وبعث اللّه حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار.

واقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وهراوتيهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدر أربعين ذراعاً (عشرين متراً) تقدم رجل منهم لينظر من في الغار , ورجع إلى أصحابه فقالوا له : ما لك لا تنظر في الغار ؟فقال : رأيت حماماً بفم الغار فعلمت أن ليس فيه احد وسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قال فدعا لهن وفرض جزاهن فاتخذن في الحرم.

وفي ذلك يقول السيد الحميري في قصيدته المعروفة بالمذهبة :

حتى إذا قصدوا لباب معــارة ألفوا عليه نسيج غزل العنكب

صنع الإله له , فقال فريقــهم ما في المغار لطالـب من مطلب

ميلوا وصدهم المليك , ومن يرد عنه الدفاع مليكه , لم يعطـب

وأمهل علي (عليه الصلاة والسلام) حتى إذا اعتم في الليلة القابلة فانطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فـي الغار , فأمر رسول اللّه هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين , فقال أبو بكر : قد كنت أعددت إلي ولك ـ يا نبي اللّه ـ راحلتين نرتحلهما إلى يثرب فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إني لا آخذها ولا أحداهما إلا بـالثمن فقال : فهي لك بذلك فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) ) علياً (عليه الصلاة والسلام) فاقبضه الثمن ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته.

وكانت قريش في الجاهلية تدعو محمداً : الأمين , فكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها , وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم , وجاءته النبوة والرسالة والأمر كذلك فأمر علياً (عليه الصلاة والسلام) أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة وعشياً : من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلنؤد إليه أمانته ثـم قال له : إنهم لن يصلوا إليك من الآن ـ يا على ـ بأمر تكرهه حتى تقدم على , فأد أمانتي على أعين الناس ظاهراً. ثم إني مستخلفك على ابنتي فاطمة , ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما.

ثم أمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع للهجرة من بني هاشم وقال له : فإذا قضيت ما أمرتك مـن أمر فكن على أهبة الهجرة إلى اللّه ورسوله , وسر إلى لقدوم كتابي عليك ولا تلبث ثم مكث في الغار ثلاثا ثم انطلق لوجهه يؤم المدينة.

وقال الطبرسي : خلفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخرج أهله فأخرجهم , وأمره أن يؤدي عنه أماناته ووصاياه وما كان بمؤتمن عليه فادى علي (عليه الصلاة والسلام) أماناته كلها.

وقال ابن شهر آشوب : واستخلفه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لرد الودائع , لأنه كان أميناً قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع : يا أيها الناس , هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصية ؟ هل من صاحب عدة له قبل رسول اللّه فلما لم يأت احد لحق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن الطبرسي في ((أعلام الورى )) نقل ما قاله القمي في تفسيره وأضاف :خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغار فرأى راعياً لبعض قريش يقال له : ابن اريقط , فدعاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له : يابن اريقط , أتمنك على دمي ؟ قال :إذا أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك , فأين تريد يا محمد ؟ قال : يثرب قال : واللّه لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي إليه احد فقال له رسول اللّه : ائت عليا وبشره بان اللّه قد أذن لي في الهجرة فهيء لي زادا وراحلة.

وقـال له أبو بكر : ائت أسماء بنتي وقل لها : تهيء لي زاداً وراحلتين , واعلم عامر بن فهيرة أمرنا ـ وكان من موالي أبي بكر وقد اسلم ـ وقل له :ائتنا بالزاد والراحلتين .

فـجـا ابن اريقط إلى علي (عليه الصلاة والسلام) واخبره بذلك فبعث على بن أبي طالب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بزاد وراحلة , وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين.

ولكنه (الطبرسي ) عاد في ذكر مقامات علي (عليه الصلاة والسلام) فروى مختصر خبر ابن أبي رافع عن علي بن إبراهيم بن هاشم قال : كان علي (عليه الصلاة والسلام) يجهز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب , واستأجر له ثلاث رواحل للنبي ولأبي بكر ولدليلهم.

ونقل ابن شهر آشوب عن الثعلبي في تفسيره وابن عقب في ملحمته وأبي السعادات في (فضائل العشرة ) , والغزالي في (الاحيا) وفي (كيمياء السعادة ) برواياتهم عن أبي اليقظان (عمار بن ياسر) ومن الخاصة : ابن بابويه وابن شاذان والكليني والطوسي وابن عقدة وابن فياض والعبدلي والصفواني والـثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : أوحى اللّه إلى جبرائيل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه فأيكما يؤثر أخاه ؟ فكلاهما كره الموت. فأوحى اللّه إليهما : إلا كنتما مثل وليي علي بن أبي طالب : آخيت بينه وبين محمد نبيي فآثره بالحياة على نفسـه , فظل على فراشه يقيه بمهجته , اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه . فهبط جبرائيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجعل جبرائيل يقـول : بخ بخ أبي طالب واللّه يباهي به الملائكة ؟ وانزل اللّه فيه ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [ البقرة207.

منازل الطريق :

قال الطبرسي في ((أعلام الورى )) في تتمة خبر علي بن إبراهيم القمي : وخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغار واخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال , فلم يرجعوا إلى الطريق (الأعظم ) إلا بقديد.

فنزلوا على أم معبد هناك وكانت امرأة برزة تحتبئ وتجلس بفناء الخيمة , فسألوها تمراً ولـحماً ليشتروه فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك , وإذا القوم مرملون , وقالت : لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى فنظر رسول اللّه في كسر خيمتها فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك قال : أتأذنين لي أن احلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها فمسح ضرعها وذكر اسم اللّه وقال : اللهم بارك في شاتها فتفاجأن ودرت ثمالته فسقاها , فشربت حتى رويت , ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا ,فشرب هو آخرهم وقال : ساقي القوم آخرهم شربا فشربوا جميعاً علا بعد نهل حتى أراضوا , ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدأ فغدوا عندها ثم ارتحلوا عنها.

فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزاً عجافاً هزلاً , ومخاجهن قليل , فلما رأى اللبن قال : من أين لكم هذا ؟ والشاة عازب ولاحلوب في البيت ؟ قالت : لا واللّه إلا انه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت.

وروى الكليني في ((روضة الكافي )) بسنده عن الصادق (عليه الصلاة والسلام) قال : كانت قريش قد جعلت لمن يأخذ رسول اللّه لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة مائة من الإبل , فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب , فلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) , فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم اكفني شر سراقة بما شئت فساخت قوائم فرسه , فثنى رجله وقال : يا محمد , إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك , فادع اللّه أن يطلق لي فرسي , فلعمري إن لم يصبكم مني خير لم يصبكم مني شر فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ) فأطلق اللّه عز وجل فرسه , فعاد في طلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ) , فعل ذلك ثلاث مرات , كل ذلك يدعو رسول اللّه فتأخذ العارض قوائم فرسه , فلما أطلقه في الثالثة قـال : يا محمد , هذه ابلي بين يديك فيها غلامي , وإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه , وهذا سهم من كنانتي علامة , وأنا ارجع فارد عنك الطلب فقال : لا حاجة لي فيما عندك.

وذكر الطبرسي الخبر في ((أعلام الورى )) بلا رواية قال : وتبعه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو متوجه إلى المدينة سراقة بن جعشم المدلجي طالبا غرته ليحظى بذلك عند قريش , حتى إذا أمكنته الفرصة فـي نفسه وأيقن أن قد ظفر ببغيته ,ساخت قوائم فرسه , حتى تغيبت بأجمعها في الأرض , وهو بموضع جدب وقـاع صفصف فعلم آن الذي أصابه سماوي فنادى : يا محمد ادع ربك يطلق لي فرسي وذمة اللّه على آن لا أدل عليك أحداً فدعا له , فوثب جواده كأنه افلت من انشوطة , وكان رجلاً داهية فعلم بما رأى أنه سيكون له نبا فقال :اكتب لي أماناً فكتب له وانصرف.

فلما كان من الغد وافته قريش فقالوا : يا سراقة هل لك علم بمحمد ؟قال : قد بلغني أنه قد خرج عنكم , وقد نفضت هذه الناحية لكم ولم أر أحداً ولا أثراً , فارجعوا فقد كفتكم ما ها هنا. فقال أبو جهل في أمر سراقة أبياتاً , فأجابه سراقة :

أبا حكم , واللّه لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه

علمت ولم تشكك بان محـمدا نبي ببرهـان , فمن ذا يقاومه

عليك بكف الناس عنه , فإنني أرى أمره يـوما ستبدو معالمه

ونقله كذلك القطب الراوندي في ((الخرائج والجرائح )) قال : ولما خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهؤلاء أصبحوا من تلك الليلة التي خرجوا فيها في حي سراقة ابن جعشم , فلما نظر سراقة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : اتخذ يدا عند قريش , وركب فرسه وقصد محمدا فقال أصحابه : لحق بنا هذا الشيطان أن اللّه سكيفينا شره , فلما قرب قال : اللهم خذه خلص فرسي , لا سعيت في مكروه أبداً وعلم أن ذلك بدعا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ) فقال : اللهم إن كان صادقاً فخلصه , فوثب الفرس فقال : يا أبا القاسم ستمر برعائي وعبيدي , فخذ سوطي , فكل من تمر به فخذ ما شئت فقد حكمتك في مالي فقال : لا حاجة في مالك قال : فسلني حاجـة قال : رد عنا من يطلبنا من قريش فانصرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم : انصرفوا عن هذا الطريق فلم يمر فيه أحد وأنا أكفيكم هذا , وعليكم بطريق اليمن والطائف.