سيرته

الإمام السادس : جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام

اسمه الشريف : جعفر .

كناه : أشهرها أبو عبد الله الثاني ، ويكنى بأبي موسى وأبي إسماعيل .

لقبه : الصادق .

والده : الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام.

والدته : أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وكانت من أفضل نساء زمانها وأزهدهن .

 

ولادته عليه الصلاة والسلام

ولد في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول – يوم ميلاد جدّه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ سنة 83 هـ .

 

من خصائص الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام

 1ـ أنه رئيس المذهب الجعفري ، وهو المذهب الذي جاء به أهل البيت ، عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عزّ وجلّ .

2ـ لقد تمتع الإسلام والمسلمون في زمانه بالمعارف الإلهية والحكم النبوية والأسرار العلوية والحقائق الدينية من الأصول والفروع في مدرسته ، بعد ما كان محضوراً في عصر الأمويين الغاصبين الظالمين . فقصده الطالبون من مختلف البلاد والأقاليم حتى اجتمع في محضره أربعة آلاف طالب علم . فألقى عليهم سلام الله عليه من غوامض الحكم وحقائق العلوم ، وأظهر ما أخفى آباؤه وأجداده خوفاً من فراعنة بني أمية .

3- أنه كان يكرر على أصحابه ويؤكد عليهم بقوله : ( أوصيكم بتقوى الله وأداء الأمانة لمن ائتمنكم وحسن الصحبة لمن صحبتموه وأن تكونوا لنا دعاة صامتين ) ، فقال بعض أصحابه : يا بن رسول الله كيف ندعو إلى الله ونحن صامتون . فقال عليه الصلاة والسلام : ( تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله ، وتعاملون الناس بالصدق والعدل ، وتؤدون الأمانة ، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، ولا يطلع الناس منكم إلاّ على خير ، فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فعادوا إليه ) .

 

 

أحداث وقعت في حياة الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام

ـ استشهاد جده الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة وله من العمر اثنتا عشرة سنة .

ـ استشهاد أبيه الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة وله من العمر إحدى وثلاثون سنة .

ـ قيامه بالأمر بعد أبيه ، وقد دامت إمامته أربعاً وثلاثين سنة .

ـ سقوط الدولة الأموية في زمن مروان بن محمد ـ الملقب بالحمار ـ وقيام الدولة العباسية وانشغال بني العباس في بداية ملكهم عن أهل بيت النبوة ، فاغتنم الإمام هذه الفرصة الثمينة فتصدى لإحقاق الحق وإبطال الباطل فشرع بترويج حقائق الشريعة وإظهار أسرارها .

ـ ظهور الفرق الضالة من الغلاة والزنادقة ، الذين حرّفوا في الشريعة الإسلامية ، وقد قام الإمام بمحاورتهم وفضحهم ، وللإمام عليه الصلاة والسلام مواقف ومناظرات مفحمة لأحاديثهم الكاذبة . وقد قال له بعض أصحابه : يا بن رسول الله قد بلغنا عنك أنك قلت إذا عرفتم فاعملوا ما شئتم . فقال عليه الصلاة والسلام: ( إني قلت إذا عرفتم فاعملوا من الطاعات ما شئتم فإنه يقبل منكم ) . وروى تلميذه هشام بن الحكم قال : قال أبو شاكر الديصاني : إن في القرآن آية هي قوة لنا . قلت : وما هي ؟ ، فقال : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) . فلم أدر بما أجيبه ، فحججت فخبّرت أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام فقال : ( هذا كلام زنديق خبيث ، إذا رجعت إليه فقل ما اسمك بالكوفة ؟ فإنه يقول فلان ، فقل : ما اسمك بالبصرة ؟ فإنه يقول: فلان ، فقل كذلك ربنا في السماء إله ، وفي الأرض إله ، وفي البحار إله ، وفي كلّ مكان إله . قال : فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته ، فقال : هذه نقلت من الحجاز.

ـ مجيؤه إلى العراق ، حيث أشخصه المنصور العباسي إلى العراق مرات متعددة ، وقد همّ أن يقتله في بعضها وكان عليه الصلاة والسلام يستغل وجوده في العراق لنشر العلم ، حتى قال الحسن بن علي الوشا : ( أدركت في هذا المسجد – يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد ) .

ـ استشهاد عمه زيد بن الإمام علي السجاد عليه الصلاة والسلام سنة 122 هـ الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطباً لحفيده الحسين عليه الصلاة والسلام : ( يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ، يدخلون الجنة بغير حساب ) ، وقد قام ثائراً ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين عليه الصلاة والسلام ، وقد كان عالماً صدوقاً، فلما بلغ الإمام الصادق خبر مقتله قال : ( إنّا لله و إنّا إليه راجعون عند الله احتسب عمي إنه كان نعم العم ، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسين مضى والله شهيداً ) ، وبقي مصلوباً بالكناسة أربع سنين .

وبعده استشهد ابن عمه يحيى ابن زيد بن علي بن الحسين عليها الصلاة والسلام سنة 125 هـ .

ـ استشهاد ابن عمه محمد ابن عبد الله بن الحسن الرضا بن الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام ، وهو الملقب بـ ( النفس الزكية ) ، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( تقتل بأحجار الزيت من وُلدي نفس زكية ) ، وكان من أصحاب الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام ، وقد قام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقتله المنصور ونصب رأسه بالكوفة سنة 145 هـ ، ثمّ قتل أخيه إبراهيم المكنى بـ ( قتيل باخمرى ) في نفس السنة ونصب رأسه في السوق ثمّ حمله إلى أبيه عبد الله في السجن .

 

من آثاره العلمية عليه الصلاة والسلام

1ـ روي عنه عليه الصلاة والسلام بلا واسطة ثمانون كتاباً ، وبواسطة سبعون كتاباً ، منها : رسالة توحيد المفضل ، ومن أمالي الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام .

2ـ وقد جمع أصحابه دروسه في أربعمائة كتاب ، سميت بـ ( الأصول الأربعمائة ) . وقام عليه الصلاة والسلام بتوسيع جامعة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام التي افتتحها أبوه الباقر عليه الصلاة والسلام ، وأمر بتسجيل العلوم وتوثيقها وتصنيفها وكانت له عدة حلقات : حلقة للحديث ، وأخرى للفقه ، وثالثة للتفسير ، ورابعة للفلسفة والإلهيات ، وخامسة للطب ، وسادسة للفلك . وكان له ولأبيه الباقر عليهما الصلاة والسلام أروقة في حرم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلسان فيها ويلقيان على الناس أنواع العلوم ويغتنمان أوقات الحج للإجابة على المسائل . فبرز من أصحابه شخصيات لامعة :

ـ ففي علوم القرآن : عاصم بن أبي النجود الكوفي الذي استقر القرآن الكريم على قراءته برواية حفص .

ـ وفي النحو واللغة : الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ومحمد بن أبي سارة الرؤاسي زعيم الكوفيين .

ـ وفي الصرف : معاذ بن مسلم الهراء الكوفي مصنف هذا العلم .

ـ وفي الفقه : زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، وأبان بن تغلب ،   وجابر الجعفي .

ـ وفي الفلسفة وعلم الكلام : هشام بن الحكم ، ومؤمن الطاق .

ـ ووجد عليه الصلاة والسلام في تلميذه جابر بن حيان القابلية في العلوم الرياضية والعقلية ، فأخذ يخصه بوقت يدرسه فيه الكيمياء والعلوم الطبيعية ، حتى ألّف كتاباً مكوناً من ألف ورقة تتضمن خمسمائة رسالة للإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام ، وكتب 3900 رسالة في عدة مجالات . فقد استخرج المعلوم من المجهول ، وجعل له علم خاص سمّاه علماء الغرب بـ ( الجبر ) نسبة لجابر بن حيّان ، وشخص الذرة وسمّاها بـ ( الجوهر الفرد ) ، واستخرج حامض النيتريك وماء الذهب وغيرها من المشتقات ، وهناك عدة مخطوطات لجابر بن حيّان لا يزال علماء الغرب يعكفون على حلّ رموزها .

3ـ وكانت الوفود تأتي دار الإمام الصادق من كافة الأقطار الإسلامية ، فينهل عليهم من علمه دون أن يلتفت إلى نحلهم أو مذاهبهم أو فروقهم ، بل كان يناقشهم النقاش العلمي . وهو أول من أسس المدرسة الحكمية الفلسفية في الإسلام، وهو المعلم الأكبر لأئمة أهل السنة :

فقد صحبه مالك بن أنس ، وأبو حنيفة النعمان وتتلمذوا عليه ، فقال أبو حنيفة : لولا السنتان لهلك النعمان – يشير إلى السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام – .

ودرس الشافعي عند محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة ، ودرس أحمد بن حنبل عند الشافعي . وقد قال أستاذهم أبو حنيفة : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد . وقال مالك بن أنس : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادةً وورعاً .

 

وفاة الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام

استشهد عليه الصلاة والسلام في الخامس والعشرين من شهر شوال سنة 148 هـ وله من العمر 65 سنة وأشهراً ، حيث حسده المنصور الدوانيقي في آخر عمره وشددّ عليه الضغط ولم يترك له مجالاً للتدريس والتعليم ، ولكنه سلام الله عليه قد استوفى حظه في تلك الفترة ، وسدل أشعة معارفه على مشارق الأرض ومغاربها ، وأرسل عنوان التشيع إلى شعوب الأمة وقبائلها ، ومن هنا سميت الشيعة الاثني عشرية بالجعفرية ، وأصبح رئيساً للمذهب .

ودفن عليه الصلاة والسلام في البقيع عند جدّه وأبيه وعمه الحسن المجتبى صلوات الله عليهم أجمعين . وكان له من البنين سبعة ومن البنات ثلاثة ، ومن النساء زوجة .


أكتب تعليقاً