سيرته

 

اسمـه صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

يسمى في السماء أحمد وفي الأرض محمد .

أشهر ألقابه صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

 المصطفى والمختار ، والمجتبى والطاهر ، والأمين وحبيب الله .

أشهر كناه صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

أبو القاسم .

وهو النبي الأمي نسبة إلى مكة أم القرى .

نسبه الشريف صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

 وهو صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( شيبة الحمد ) بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن  عدنان .

وأمه : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب .

عليه وآله وعلى آبائه وأجداده أفضل الصلاة والسلام .


مولده صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

 ولد نبينا الأعظم بمكة المكرمة يوم الجمعة 17 من ربيع الأول بالقول المشهور عند الإمامية ، وفي الثاني عشر منه بقول قوي بعام الفيل في عصر سلطنة كسرى ( أنوشروان ) .

وهو عام توجه فيه ( إبرهة الأشرم الحبشي ) بجيش من اليمن يركب الفيلة لتدمير بيت الله في مكة .

وقتل من تعرض إليه في طريقه ، وحينها سارع أهل مكة إلى الجبال هرباً منه وما أن اقترب من ضواحيها حتى ظهرت عليه أسراب كبيرة من الطيور وهي تحمل في منقارها حجارة صغيرة وتلقيها على جيشه فسحقته وأهلكته .


نشأته صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

 نشأ نبينا صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين يتيماً ، فقد توفي أبوه قبل ولادته في يثرب بثلاثة شهور . وكان أبوه سيد قومه وموضع فخرهم ، وكذلك كانت أمه . وما أن ولد النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين حتى احتضنه جده عبد المطلب الذي أكرم أهل مكة بالولائم وإطعام الطعام على حبه وقد عَمَّ الفرح في أرجائها . ثم سلمه جده إلى حليمة بنت الحارث السعدية ، لترضعه في البادية ، لينشأ قوي الجسم فصيح الكلام ، وقد أحبته أكثر من أبنائها ( عبد الله وأنيسة والشيماء ) ثم أعادته إلى أمه . ولما بلغ من عمره السابعة أخذته أمه لزيارة أخواله في المدينة المنورة ، وفي طريق عودتها إلى مكة مرضت وتوفيت ودفنت في قرية تسمى الأبواء ورجعت به أم أيمن إلى مكة ، و بقى في رعاية جده عبد المطلب .

ولما بلغ عمره ثمان سنوات توفي جده عبد المطلب فكفله عمـه أبو طالب عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد رافق عمه في إحدى رحلاته في التجارة إلى الشام ، فَعُرِف عند الجميع بأمانته وفطنـته ، حتى اشتهر بين التجار بـ ( محمد الأمين ) .


صفاته صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

كان نبينا الحبيب صلى الله عليه وآله جميل الوجه ، معتدل الطول ، حسن الشعر ، ليس في خلقه زيادة ولا نقصان .

سلوكه صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

 كان رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين أكمل الناس أخلاقاً . فقد كان كثير السكوت لا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان متواضعاً كريماً شجاعاً . لا يغضب إلا لله ، رحيماً بأمته . إذا مشى مشى هوناً بغير سرعة ولا تباطؤ ، وكان أكثر ضحكه التبسم .


زواجه صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين من خديجة

لما اشتهر النبي صلى الله عليه وآله عند الناس بصدقه وأمانته وأخلاقه وصل خبره إلى خديجة بنت خويلد وكانت من أشرف نساء مكة وأكثرهن أموالاً ، فقامت بتسليم تجارتها له ليدير شؤونها ، وبعد ذلك دخل إيمانه في قلبها فتزوجته ووضعت كامل ثروتها تحت تصرفه ، فقام بتنمية أموالها ومساعدة الفقراء والمحتاجين ونشر الإسلام .


أولاده صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

قد اختلف المؤرخون في أولاده هل الذين ينسبون إليه من صلبه ؟ أم هم ربائبه ، لكن نقتصر على ما اتفقت عليه أقوال الجميع وآراؤهم :

1/ فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام ، وأمها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها .

2/ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأمه مارية القبطية.

كيف كانت مكة في عصره صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

انتشرت عبادة الأصنام في مكة ، وكانت الكعبة مكاناً للتماثيل ومقصداً لعبدة الأصنام من المشركين . وكانت العصبية الجاهلية والظلم والسرقة وشرب الخمور ووأد البنات متفشياً عند العرب ، في ذلك الحين كان النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين مستاءً من تلك الأعمال الجاهلية . وكان عاكفاً على عبادة الله وحده لا شريك له على ملة جده إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام ، وكان يذهب إلى غار حراء ليناجي ربه في معزل من الناس .

ولما بلغ النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ثلاثين سنة ولد ابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، فرباه النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين في بيته وأدبه بآدابه .

البعثة :

بعد ما أتم النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين الأربعين من عمره أراد الله سبحانه إظهار نبوته إلى الناس ؛ لكي لا تستصغر العرب سِنَّه .

وفي ( السابع والعشرين من شهر رجب ) بينما كان النبي لوحده يعبد الله تعالى في الغار ، إذ نزل عليه الأمين جبرائيل ناقلاً له التعاليم من الله سبحانه فقال له اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [1].

وما إن تجلى له ذلك حتى ارتعدت فرائصه ونزل إلى بيته فاستقبلته زوجته خديجة فدثرته برداء لما وجدت فيه من الضعف والخشية من الله ، فأوحى الله إليه يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)1 ، وهناك آمن به ابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام وكان أول من آمن به وهو ابن عشر سنين ، ومن ثم صدقت به زوجته خديجة وكانت أول من آمن من النساء .

فقام النبي للصلاة ووقف أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام عن يمينه ووقفت خديجة من ورائه فأقاموا الصلاة . حتى بلغ ذلك أبا طالب فصدقه وأمر جعفر أن يتبع النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.

ثم استمر النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين يدعو الناس للإسلام سراً حيث كان يجتمع بهم في الصحراء والأماكن البعيدة لئلا يراهم المشركون ، ثم لـمَّا زاد عددهم أخذ يجتمع بهم في دار الأرقم ، وكان يعلمهم القرآن وأحكام الإسلام ، واستمرت الدعوة سراً ثلاث سنوات .



[1] العلق : 1

1  المدثر :1-2


دعوة النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين للأقربين من بني هاشم

نزل الوحي من الله عز وجل بقوله وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [1] ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بيته ما يزيد على الأربعين من بني هاشم في داره ، وأطعمهم من طبق قد كفى جميع الحضور وأشبعهم ، فاندهشوا من ذلك .

ثم قام بينهم وحمد الله وأثنى عليه وقال لهم : ( يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب ، جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي ) ، فوقف الإمام علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وهو ابن عشر سنين فأجلسه النبي ، وناداهم مرة ثانية فقام الإمام عليه الصلاة والسلام فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ، وناداهم مرة ثالثة فما وقف إلا الإمام عليه الصلاة والسلام ، عند ذلك أخذ برقبته وقال لهم : ( إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا… )1 . وسمي هذا بـ ( حديث الدار ) .



2 الشعراء : 214 .

1  بحار الأنوار : ج18 ، ص191


الجهر بالدعوة

بعد انقضاء ثلاث سنوات من دعوة النبي صلى الله عليه وآله سراً نزل قوله تعالى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ 2 . فتوجه النبي صلى الله عليه وآله إلى جبل الصفا ونادى الناس للاجتماع فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك؟، فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن العدوّ مصبحكم أو ممسيكم[1] أما كنتم تصدقونني ؟. قالوا : بلى . قال : فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد . فقال له أبو لهب : تباً لك ألهذا دعوتنا ، فأنزل الله فيه تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [2] .

ثم استمر النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين في دعوة الناس للإسلام ، وكان يبين لهم أن هذه الأصنام لا تنفع وعليهم أن يعبدوا إلهاً لا يصنعونه بأيديهم ، وهو إله غائب عن الأبصار قد أظهر نعمه على الخلق أجمعين .

وقد جعلت دعوة النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين الناس يتفكرون في ذلك ويصدقون بدعوته . فخاف أثرياء مكة من أن يستمع الناس إلى دعوة النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين فلا يقدموا إلى مكة لعبادة الأصنام وشرائها منهم فتكسد تجارتهم ، فقام مشركو مكة بإيذاء المسلمين ومنع انتشار الإسلام .



2  الحجر : 94

[1] أي يهجم عليكم في الصباح أو المساء .

[2] المسد : 1 .

نصرة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

لـمَّا خاف مشركو قريش من دعوة النبي صلى الله عليه وآله وانتشارها جاؤوا إلى أبي طالب عليه الصلاة والسلام وطلبوا منه أن ينهى الرسول عن دعوته بل وعرضوا عليه أن يعطوه المال والملك على أن يتخلى عن هذه الدعوة . فأخبر أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله بما جاء به مشركو قريش ، فقال صلى الله عليه وآله : ( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )1 .

فأيده أبو طالب وقال : ( أقسم بالله أني لن أرفع يدي عنك فسر في طريقك ) ، فغضب كفار قريش وهموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله ولكنهم خافوا من عزيمة أبي طالب وسيف حمزة وانتقام بني هاشم . فقاموا باتهامه بالبخل ، وأنه شاعر مجنون ، وأمروا أطفالهم وعبيدهم بإيذائه ، فكان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام يدافع عن النبي صلى الله عليه وآله ، وكانت ابنته السيدة الزهراء عليها الصلاة والسلام تعالج قدمي أبيها من الأشواك التي يضعها المشركون في طريقه ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يتلقى كل ذلك بالصبر والحلم .



1  شرح نهج البلاغة : ج14 ، ص54

المقاطعة

أحس المشركون بفشل خططهم ، ورأوا المسلمين يزداد عددهم كل يوم فاجتمعوا وكتبوا صحيفة تتضمن :

1) منع البيع والشراء من المسلمين .

2) منع الزواج من المسلمين وتزويجهم .

3) قطع أي تعامل مع المسلمين .

وعلقوا هذه الصحيفة في جوف الكعبة .

فتعسرت بذلك معيشة المسلمين في مكة وأصبحت مستحيلة ، فتقدم أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وعرض عليه أن يغادر بنو هاشم إلى وادٍ في ضواحي مكة يعرف بـ ( شعب أبي طالب ) فجمع النبي بني هاشم ورحلوا إلى ذلك الوادي ، وعاش المسلمون فيه حالات المحنة والمصاعب من قلة الغذاء والكساء . وكان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام يأتيهم بالطعام سراً من مكة . وكانت خديجة تنفق أموالها في سبيل شراء ما يحتاجه المسلمون .

واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات اتضح للمشركين فيها عدم نجاحها . فندموا على ما فعلوا ، وبعث الله سبحانه حشرة صغيرة تسمى ( الأرضة ) وأكلت الصحيفة كلها ما عدا كلمة : ( باسمك اللهم ) . وبذلك تبين لقريش مصداقية ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وآله .

عام الأحزان

بعد فك المقاطعة بزمن قصير توفي أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وآله الذي دافع عن الإسلام إلى آخر حياته ، وبعده توفيت خديجة زوجته التي أنفقت مالها في سبيل الله فبكى عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وعمت الأحزان عليه في ذلك العام فسُمي بعام الأحزان .

الهجرة إلى الحبشة

          لـمَّا اشتد أذى المشركين على المسلمين أمرهم النبي صلى الله عليه وآله بالهجرة إلى الحبشة ؛ لأن ملكها النجاشي ملكٌ عادل ، حيث قال صلى الله عليه وآله : ( إنَّ بها ملكاً لا يُظلمُ عنده أحد ) . فهاجر عددٌ من المسلمين بقيادة ابن عم النبي جعفر بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، وعبدوا الله هناك بكل حرية . ولـمَّا علمت قريش بذلك أرسلت وفداً بقيادة عمرو بن العاص ليرد من هاجر من المسلمين إلى مكة ، إلا أن النجاشي وبعدما سمع من المسلمين عن الإسلام رفض تسليمهم للمشركين .كما أنه اعتنق الإسلام فيا بعد .

الهجرة إلى المدينة

استمر النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين يدعو الناس إلى الإسلام في مكة المكرمة وفي مواسم الحج يلتقي بوفود القبائل ويدعوها إلى الإسلام ، ومن تلك الوفود وفد أهل يثرب حيث التقى بجماعةٍ منهم ودعاهم إلى الإسلام فآمنوا به وبايعوه على الإسلام والنصرة . فأمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه الذين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم أذى المشركين أن يهاجروا إلى يثرب ، فهاجر كثيرٌ منهم . وحينما رأى المشركون قوة الإسلام وعدم رجوع المسلمين عن دينهم اجتمعوا في دار الندوة وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله . فجمعت قريش من كل قبيلةٍ شاباً وأعطوا كل واحدٍ سيفاً لكي يهجموا على النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ويضربوه ضربةَ رجلٍ واحد فيضيع دمه بين القبائل ولا يستطيع بنو هاشم قتالهم .

المبيت على الفراش

أخبر الله سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين بمكر قريش ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بالمبيت على فراشه . فقال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( وتنجو أنت يا رسول الله ) ، فطمئنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأمره أن يصطحب الفواطم ونساء بني هاشم ويتبعه إلى ( يثرب ) .

وفي أول يوم من ربيع الأول أحاط المشركون ببيت النبي صلى الله عليه وآله ، وخرج النبي من بينهم وقد أغشى الله سبحانه أبصارهم فلم يروه .

ولما اقتحموا البيت وهم شاهرين سيوفهم فوجئوا بأن الذي كان نائماً على الفراش هو أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وقد فداه بنفسه فدب بهم الهلع والاستغراب وخرجوا خائبين .

واختفى رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين في غار ثور.

وصوله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين إلى المدينة

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين من قريش خرج من الغار وواصل طريقه نحو المدينة حتى توقف في ( قبا ) ينتظر قدوم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام مع الفواطم ، حتى وصل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام مع الضعينة وسلّمَ الله نبيه ووليه والمسلمين . وتوجه النبي نحو المدينة وخرج المسلمون مستقبلين له وهم يكبرون ويهللون وينشدون فرحاً بقدومه ، وقد تعلق الناس بزمام ناقته ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( دعوها فإنها مأمورة فعلى باب من بركت فأنا عنده )1 . فتبع المسلمون سير الناقة حتى وجدوها تبرك على بيت أفقر أهل المدينة ( أبي أيوب الأنصاري ) دون أن يبركها أحد ، فخرجت أم أبي أيوب فرحة وقد كانت عمياء وتمنت لو أنها ترى طلعة النبي عليهم ، فمسح النبي بيده المباركة على عينيها فأبصرت . وهكذا توالت معاجز النبي صلى الله عليه وآله وفضائله على أهل المدينة من المسلمين وغير المسلمين ، حتى أقبل الناس من المدينة وخارجها ليشهدوا على يديه بالإسلام .



1  بحار الأنوار : ج19 ، ص115

المؤاخاة

لما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين في المدينة قام ببناء المسجد النبوي ليكون مكاناً للعبادة الجامعة للمسلمين ، ثم آخى بين المسلمين ، بين المهاجرين والأنصار ، وبين الأوس والخزرج ، وهما قبيلتان كانتا على عداوة ومخاصمة شديدة . فقام كلٌ يعانق أخاه ويصافحه وما بقي إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، بقي يلتفت يميناً وشمالاً وهو يملؤه الحياء من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وضمه وقال : ( يا علي أنت أخي ووصيي )2 .

وهكذا اختار لنفسه الرجل الذي أدبه ورباه وكان أول من صدقه بالرسالة .



2  الأمالي للصدوق : ص124 ، أعلام الورى : 208

من أخلاقياته صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

يبدر من لقي بالسلام من رجال أو نساء أو صبيان . وإذا خرج من منزله لم يتكلم إلا فيما يعنيه . وكان يتفقد أصحابه فإذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه ، فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً زاره ، وإن كان مريضاً عاده . ولا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله جل اسمه ، ويجلس حيث ينتهي به المجلس ، وفياً بوعده وعهده ، مؤثراً الآخرين على نفسه ، ويجلس على الأرض بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل . كان يتنظف، ويتمشط ويتطيب بالمسك فيخرج لأصحابه بأحسن صورة فيبشرهم ويذهب همومهم ويقول لهم : ( المؤمن دَعِبٌ لعِب )1 .



1  بحار الأنوار : ج74 ، ص155

أشهر غزوات النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

1/ معركة بدر :

في السنة الثانية للهجرة خرجت قافلة لقريش يقودها أبو سفيان إلى الشام ، وقد شارك فيها جميع أهل مكة ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله في غزوة ( العشيرة ) يريد تلك القافلة لكي يُعوِّض المسلمين عن أموالهم التي تركوها في مكة واستولت عليها قريش . ولكنه تأخر عن إدراكها يومين ففاتته ، فترقب النبي موعد رجوعها إلى مكة ، ولما وصلت الأخبار برجوعها ، دعا النبي صلى الله عليه وآله جميع المسلمين وقال لهم : ( هذه عير قريش وفيها أموالهم وقوتهم ، فاخرجوا إليها لعل الله يغنمكموها )2 . وخرج نبينا مع جيش قوامه ( 313 ) رجلاً من المسلمين ، وتكونت إمكاناته من فرسين وسبعين بعيراً ، وأما أسلحته فقلة من السيوف والرماح وبعض العصي . ولما وصل الخبر أبا سفيان من بعض جواسيسه ، أرسل من يُخبر أهل مكة ، فدخل وهو يصرخ ويولول ، فجرجرت أشراف قريش وأبناؤها في فزع لحماية القافلة .

فوصل الخبر للنبي صلى الله عليه وآله فاستشار المسلمين ، فقام المهاجرون والأنصار وعاهدوا النبي أن يمضوا معه حيث ما أمرهم الله تعالى ، وأن يدافعوا عن الإسلام حتى لو كلفهم ذلك أرواحهم . فعزم النبي صلى الله عليه وآله على الجهاد ووعدهم بالنصر ، وسار جيش المسلمين إلى مكان قريب من بدر ، وعرفوا بأن جيش المشركين غير بعيد منهم وهو يقارب (1000 مقاتل ) . في ذلك الوقت غيّر أبو سفيان طريق القافلة إلى ساحل البحر وأفلتت القافلة من أيدي المسلمين .

ولما عرف المشركون بذلك اطمأنوا ورجع بعضهم إلى مكة ، وهناك وقف أبو جهل وحرض المشركين على القتال ، وفي يوم الجمعة ( 17 من شهر رمضان المبارك ) اجتمعوا مع المسلمين في بدر فأوحى الله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ 1 ، فوقف جيش المشركين ساخرين من المسلمين لقلة عددهم وسلاحهم ، ووقف جيش المسلمين كالذئاب المقابلة للقطيع ، عند ذلك وقعت المعركة ، فبرز من المشركين : عتبة ، وشيبة ، والوليد . وبرز من المسلمين : عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وحمزة بن عبد المطلب ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام . فقتل أميرُ المؤمنين عليه الصلاة والسلام الوليد ، ثم التفت إلى عمه الحمزة وهو يقاتل شيبة فأمره أن ينحني فظهر رأس شيبة ، فضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فقتله ، ثم التفت إلى عبيدة وعتبة وإذا هما على الأرض قد ضرب كل واحد منهما الآخر ، فعالج أمير المؤمنين عتبة فضربه فقتله ، وبعد ذلك غضبت قريش فاندفعت نحو المسلمين ، ونهض المسلمون وهجموا على قريش ، وما هي إلا لحظات حتى انهزم المشركون ، وقتل أبو لهب ، وهرب من هرب ، فتبعهم المسلمون وأسروا سبعين من رجالهم ، ورجع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة ظافراً منتصراً .

2/ معركة أحد :

في السنة ( الثالثة للهجرة ) أعدت قريش جيشاً يفوق عدده (3000 مقاتل) بقيادة أبي سفيان لأجل الانتقام وغزو المدينة سراً .

وخرج النبي صلى الله عليه وآله إلى أحد يوم الجمعة من شهر شوال في 1000 مقاتل فرجع منهم قبل الوصول إلى أحد ثلاثمئة من المنافقين ، فبقي سبع مئة ، فيهم مئة دارع ، وفارسان .

ورتب النبي صفوف جيشه ، ووضع ( 50 من الرماة ) بقيادة عبد الله بن جبير على جبل ( عينين ) وقال لهم : ( أيها الرماة ، يا جند الله ، انضحوا عنا الخيل بالنبل كي لا يأتونا من خلفنا ، واثبتوا في أماكنكم إن كانت الحرب لنا أو علينا ).

 والتقى الجيشان يوم السبت ، فأعطى النبي صلى الله عليه وآله رايته أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وسأل عن لواء المشركين ، فقيل : مع بني عبد الدار ، فأعطى لواءه مصعب بن عمير لأنه منهم .

 فلما استشهد أخذ أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في يده الراية واللواء جميعاً ، وحمي الوطيس فشد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام على صاحب اللواء وهو طلحة بن أبي طلحة وكان أشجع القوم ، فضربه على رأسه ، فصاح صيحة منكرة وأسقط اللواء ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيراً عالياً ، وكبر المسلمون بأجمعهم ، وتضعضع عسكر الشرك بمقتله ، ولم يزل يقتل كل من حمل اللواء من بني عبد الدار حتى تفانوا عليه. وهاج جيش الشرك في أرض المعركة ، وقابلهم المسلمون ، حتى انهزم المشركون فهربوا .

فأكب المسلمون على الغنائم ، فطمعت الرماة في الغنيمة ونزلوا من الجبل ، فصاح قائدهم عبد الله بن جبير : ( ويلكم أنسيتم ما أوصاكم به رسول الله ألا تبرحوا مكانكم ) . فلم يهتموا لذلك . فنظر خالد بن الوليد فوجد الجبل قد خلا من الرماة إلا قليلاً منهم . فجمع خيله وحمل على المسلمين من ورائهم ، فتفرق المسلمون وقد كان العبد الحبشي ( وحشي ) يتتبع الحمزة بن عبد المطلب وهو يفرق جيش الشرك ، فرماه بحربة أعدها لقتله ، فسقط على الأرض . فوقف   النبي صلى الله عليه وآله على مصرعه يبكيه ، ورآه المشركون ففرحوا بذلك .

فنظر رسول الله ما حل بالمسلمين من نكبة ، فثبت يقاتل قتالاً شديداً ويرمي المشركين بالنبل حتى لم يبقَ معه شيء ، فرآه أحد المشركين اسمه ( ابن قميئة ) فرماه بالحجارة فشج وجهه وكسر رباعيته ، ثم علاه بالسيف فسقط رسول الله على الأرض ، فصاح المشركون : ” قتل محمد ” فهرب جيش المسلمين . وثبت أبو دجانة وسهل بن حنيف يقاتلون المشركين ، وكسر أمير المؤمنين غمد سيفه وشد على جموع المشركين فكشفهم عن النبي صلى الله عليه وآله . فوجده على الأرض والدماء تسيل على وجهه الشريف ، فأقبلت كتائب المشركين تريد قتل النبي ، والنبي صلى الله عليه وآله يقول: ( اكفنيهم يا علي ) فقتلهم وفرقهم ، فنزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وقال : ( هذه المواساة ) ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( إنه مني وأنا منه ) ، فقال جبرائيل : ( وأنا منكما ) ، ثم نادى : ( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي )1 . وغابت الشمس وقد تعب الفريقان من القتال ، فآوى المسلمون إلى شعب يحتمون به وجعل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ينقل الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليغسل الدم عن وجهه ، وذهبت هند مع وحشي فمثلت بالحمزة ولاكت كبده الشريفة .

 وبعد ذلك عاد المشركون فرحين بما حققوه ، و بكى المسلمون وندموا على مخالفة أوامر قائدهم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يتفقد القتلى فعاين عمه الحمزة فشهق لما حل به ، ثم أمر بدفن الشهداء وحمل الجرحى ، ودخل المدينة ، وجلست النساء يبكين قتلاهن . فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( أين البواكي على الحمزة ) فترك الجميع بكاء قتلاهم وجلسوا يبكون أسد الله وأسد رسوله .

3/ غزوة الأحزاب ( الخندق ) :

قام اليهود بتحريض العرب والقبائل على حرب النبي صلى الله عليه وآله ، وبالفعل خرجت عدة أحزاب نحو المدينة ليهجموا هجمة واحدة ، واجتمعت أحزاب العرب بجيش قارب ( 10000 مقاتل ) . في حين أراد المسلمون أن يحصنوا المدينة ، فأشار سلمان الفارسي رضوان الله عليه بحفر خندق لحماية المدينة من الأمام ، وفي الخلف كانت هناك حصون يهود بني قريظة الذين تعاهدوا مع النبي صلى الله عليه وآله بأن لا يعينوا أحداً على المسليمن ، وفي الجوانب كانت هناك الجبال المنيعة . وأعد النبي صلى الله عليه وآله جيشاً قدر بـ ( 3000 مقاتل ) .

فلما وصلت الأحزاب إلى حدود المدينة وجدوها محصنة ومستعدة للحرب فاندهشوا لذلك ، فلم يجدوا سبيلاً إلا أن يحاصروا المدينة ، وطال مكوثهم في البر مع شدة البرد عدة أيام حتى دب الخلاف والخوف بينهم ، فذهب حيي بن أخطب زعيم يهود بني النضير إلى يهود بني قريظة ، وتآمر معهم لنقض العهد مع النبي صلى الله عليه وآله ، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله جماعة من المسلمين إلى جهة بني قريظة لحماية المدينة .

وبقي المشركون في تململ حتى برز عمرو بن ود العامري وهو يصيح : ( هل من مبارز ) وبقي يستهزئ بالمسلمين ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى : ( من يبرز إلى عمرو وأنا كافل له على الله الجنة ) ، فلم يجبه أحد سوى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، فأجلسه النبي صلى الله عليه وآله ونادى إلى ثلاث مرات فلم يجبه إلا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، فأذن له الرسول صلى الله عليه وآله وقال : ( لقد برز الإيمان كله إلى الشرك كله )1 فأقبل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إلى عمرو ، فاستصغره عمرو وقال : ” ليبرز لي غيرك ، ففي أعمامك من هو أسن منك وأبوك كان صديقاً لي وإني لأكره أن أقتل رجلاً كريماً مثلك ، فارجع وراءك خير لك ” ، فقال له أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( إن قريشاً تتحدث عنك أنك تقول : لا يدعوني أحد إلى خلتين إلا أجبت إلى واحدة منهما ) ، قال عمرو : ” أجل ” فقال له أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( فإني أدعوك إلى الإسلام ، وهذه خلة عظيمة من الله تعالى ) ، قال عمرو : “دع عنك هذه ” ، قال له أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( فإني أدعوك أن ترجع بمن معك من قريش إلى مكة ، وهذه خلة فيها نجاة لك ) ، قال عمرو : ( إذاً تتحدث عني نساء مكة أن غلاماً مثلك خدعني ) قال له أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( فإني أدعوك إلى البراز ) ، فقال عمرو :    ” إني لا أحب أن أقتلك ” ، قال له أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : ( ولكني أحب أن    أقتلك ) ، فغضب عمرو وهجم على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، فضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام على أحد فخذيه فقطعها ، فسقط على الأرض ، فتقدم منه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ليقتله فدار بينهما براز شديد ، فما انجلت الغبرة حتى ظهر  أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وهو منتصر .

فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر المسلمون ، وانخذلت الأحزاب وتخالفوا فيما بينهم فقرروا الانسحاب . وانتصر المسلمون ، وأنزل الله سبحانه وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً [1].

4/ صلح الحديبية :

          بعد انقضاء عام على معركة الأحزاب أي في السنة السادسة للهجرة ، أتى الوحي للنبي صلى الله عليه وآله بأن يذهب إلى مكة بنية دخول المسجد الحرام والطواف به ، فنادى منادي النبي بذلك ، فخرج معه 1500 رجل ، وساق معه الهدي . وأوفد إلى قريش من يخبرها بأنه يريد زيارة البيت الحرام ولا يريد القتال ، لكن قريش استعدت للقتال وخرجوا بجيشٍ ليمنعوا المسلمين من دخول مكة . فلما عَلِمَ النبي صلى الله عليه وآله بخروج قريش بجيشها جمع أصحابه وبايعوه على القتال حتى آخر رجل ، وذلك تحت شجرة ، وعُرفت تلك البيعة باسم بيعة الرضوان . فأسرعت قريش للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وآله فأجابهم إلى السلم ، فتصالحوا بصلحٍ سُمي صلح الحديبية نسبة للبئر التي نزل عندها النبي صلى الله عليه وآله . وكانت أبرز شروط الصلح :

1- أن تتوقف الحرب بين المسلمين وبين كفار قريش لمدة عشر سنوات .

2- أن لا يدخل المسلمون المسجد الحرام في عامهم هذا ، ويدخلونه في العام القادم .

3- يحق للقبائل الأخرى أن تتعاهد مع أي الفريقين رغبت .

5/ غزوة خيبر :

رجع النبي صلى الله عليه وآله من صلح الحديبية ، ثم توجه إلى يهود خيبر الذين يأتمرون على المسلمين ويستعدون لغزوهم .

فخرج النبي صلى الله عليه وآله في ( السنة السابعة للهجرة ) في ( 1400 مقاتل ) ووقف على حصون خيبر ، وكانت موزعة على ثلاث مناطق أُقيمت على سفوح الجبال ورؤوس الهضاب . فكان اليهود يخرجون من الحصن فيقاتلون المسلمين ثم يرجعون إلى الحصن . وكان النبي صلى الله عليه وآله يعطي الراية كل يوم لأحد الصحابة لفتح الحصن . فاستصعب على المسلمين فتح حصن ( الناعم ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه كرار غير فرار )1 .

فصلى النبي صلى الله عليه وآله الغداة من اليوم الثاني ، فدعا إليه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وإذا به أرمد العين ، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله من ريقه ومسح على عينيه فشفيت في حينها . فدفع النبي إليه اللواء ، وأقبل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إلى الحصن ، فخرجت عليه جنود اليهود يقدمهم فارس ضخم اسمه ( مرحب ) واشتبك مع أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فضربه الإمام بسيفه ذي الفقار فقدّه نصفين .

وبعد ذلك هاج اليهود واشتبكوا مع جيش المسلمين حتى ضعفوا فرجعوا مسرعين إلى الحصن ليغلقوا بابه عليهم ، فسارعهم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بشد الباب إلى الوراء حتى اقتلعه وتترس به رغم ضخامته الهائلة ، فهرب جيش اليهود من حصن إلى حصن ، والمسلمون يطاردونهم ويحاصرونهم وبقي هذا الحال عدة أيام ، حتى استسلم اليهود . فبعث النبي صلى الله عليه وآله إلى أهل ( فدك ) ، فاستسلموا من دون حرب . فوهب الله تعالى نبيه هذه الأرض لأنها فتحت من دون حرب ، واختص له من النساء ( صفية بنت حيي بن أخطب ) لما هي عليه من التقى والورع فأسلمت وتزوجها النبي صلى الله عليه وآله .

6/ فتح مكة :

بعد معركة مؤتة ظنت قريش أن الضعف قد حل بالمسلمين ، ففكرت بمعاودة حرب المسلمين ونقض اتفاقية الحديبية ، ولما كانت خزاعة دخلت في عقد النبي صلى الله وآله وسلم ، وبنو بكر دخلوا في عقد قريش ، قامت قريش بمعاونة بني بكر على غزو بني خزاعة وتقتيلهم ، فاستنجدت بالنبي صلى الله عليه وآله ، فعزم النبي صلى الله عليه وآله على دخول مكة وتخليصها من بطش قريش ، فبعث إلى من حوله من القبائل والأعراب في البادية أن يحضروا شهر رمضان في المدينة ، فخرجت الرايات بجيش بلغ ( عشرة آلاف من المسلمين ) . وأراد النبي صلى الله عليه وآله دخول مكة دون علم قريش كي لا تستعد للحرب ولا تنتهك حرمة البيت الحرام ، وما أن قرب من مكة حتى انقلبت أحوال قريش من الرعب والهلع ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وآله : ( من أغلق بابه عليه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن )1 ، ودخلت فرق جيش المسلمين أنحاء مكة دون أي مقاومة ، ودخل النبي صلى الله عليه وآله وطاف بالكعبة وهو يحطم الأصنام ، ثم أصعد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام على كتفيه ، ليحطم الأصنام من أعلى الكعبة ، ثم خاطب قريشاً وقال لهم : ( يا معشر قريش ويا أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم ؟ ) ، فقالوا : ( خيراً …. أخ كريم وابن أخ كريم ) ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، اذهبوا فأنتم الطلقاء )2 ، وبقي النبي صلى الله عليه وآله في مكة يهدي الناس وأقبل عليه أهل مكة يشهدون بالإسلام على يديه .



2  بحار الأنوار : ج19 ، ص328

1  الأنفال : 65

1  الكافي : ج8 ، ص110

1  بحار الأنوار : ج20 ، ص215

[1]  الأحزاب 25

1  بحار الأنوار : ج21 ، ص2

1  بحار الأنوار : ج21 ، ص136

2  بحار الأنوار : ج21 ، ص105

المباهلة :

في الرابع والعشرين من ذي الحجة ، أقبل نصارى نجران يحاجون النبي صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله تعالى على نبيه قوله فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ 3 . فخرج لهم النبي صلى الله عليه وآله ومعه أمير المؤمنين والسيدة الزهراء والحسنان عليهم السلام ، ولما رأى النصارى بأن النبي صلى الله عليه وآله قد خرج إليهم مصطحباً أهل بيته عليهم السلام ، أذعنوا للنبي نادمين مستسلمين .

وفي مثل هذا اليوم تصدق أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بالخاتم وهو راكع يصلي في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله في حقه إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 1 .


 



3  آل عمران61

1  المائدة : 55

بيعة الغدير :

في السنة العاشرة من الهجرة ، جاء أمر الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله لنبيه وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 2 فأذن المؤذنون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد عزم على الحج .

فخرج مع رسول الله قرابة مئة ألف من المسلمين ولحق به آخرون من أرجاء الدولة الإسلامية ، فحج النبي صلى الله عليه وآله حجته المسماة بحجة الوداع بعد ما عَلَّم الناس الحج على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وبعدها جاء أمر الله تعالى بأن ينصّب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام خليفة على المسلمين .

وعندما سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم راجعاً إلى المدينة مر على غدير خم فأتاه جبرائيل بأمر الله تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ 3 وكان ذلك في الثامن عشر من ذي الحجة ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الصلاة جامعة .

فصلى النبي صلى الله عليه وآله بالمسلمين أجمع ، ثم خطب فيهم خطبة بليغة قال فيها : ( معاشر الناس إن الله قد نصب لكم علي بن أبي طالب إماماً وولياً مفترضاً طاعته )، وقال : ( معاشر الناس النور فيّ موضوع ثم في علي عليه الصلاة والسلام ثم في ولده إلى القائم الذي يأخذ حق الله ، وقد جعلنا الله حجة على المعاندين والمخالفين ) .

ثم رفع يد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وقال : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله )1 .

وبعدها جاء المسلمون أجمعهم وبايعوا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بالخلافة ، فنـزل قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً 2 .


 



2  الحج : 26 – 27

3  المائدة : 67

1  بحار الأنوار : ج37 ، ص159

2  المائدة : 3

علم النبي صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

للنبي صلى الله عليه وآله آثار علمية تتمثل في :

1ـ القرآن الكريم : وهو المعجز الموحى إليه من الله سبحانه وتعالى .

2ـ السنة المطهرة : وهي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله من قول أو فعل أو تقرير .

3ـ الجامعة : وهي كتاب من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وقد خطت على جلد يسمى الرق ، وقد جمعت تلك الجلود بعضها إلى بعض فبلغ طولها سبعين ذراعاً ، وفيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاجه الناس .

4ـ كتاب علي : وهو مما أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وقد كتبه الإمام بخطه الشريف وهو مشتمل على الكثير من الآداب والسنن والأحكام .

 والجامعة وكتاب علي عليه الصلاة والسلام من المخطوطات التي توارثها أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهي محفوظة لديهم .

وفاته صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين

   في السنة الحادية عشر من الهجرة ، مرض النبي صلى الله عليه وآله مرضاً شديداً ، من أثر السم الذي دسته له امرأة يهودية في كتف شاة أهدتها له ، وفي ( الثامن والعشرين من شهر صفر ) جلس على فراشه وقال لمن حوله : ( ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده )1 ، وأوصى بإنفاذ جيش أسامة ، فما كان ذلك في حياته، فقال لهم صلى الله عليه وآله: ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض )2 .

ولبى نداء ربه ورأسه في حجر أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وقد مضى من سني عمره الشريف ثلاث وستون سنة ، وماجت المدينة بأهلها إثر سماع ذلك الخبر المفجع ، وهم يرون نبيهم قد فارقهم إلى غير عودة ، ودفن صلى الله عليه وآله في داره بعدما أدى أمانة ربه جل وعلا ، وقد ختمت النبوة برحيله .


 


 



1  بحار الأنوار : ج22 ، ص468

2  بحار الأنوار : ج2 ، ص99 ، مستدرك الوسائل : ج7 ، ص254 ، وسائل الشيعة : ج27 ، ص33

تعليقان 2 على (سيرته)

  1. jassem al shuiab:

    الحمدالله تعالى على هدايتة لنا
    وعلى اننا من يعتز بولاية محمد وآله الاطهار
    حبيت اشكر الاخوة القائمين على هذا البرنامج او الاصدار او الموقع
    وإنشاء الله التوفيت ينور دربكم

  2. سيف الخوئي:

    بارك الله بيكم


أكتب تعليقاً