الشعائر الحسينية

الشعائر الحسينية

المصدر : مؤسسة تراث الشهيد الحكيم

تمهيد :

إن الشعائر الحسينية ـ في الحقيقة ـ إحدى الخطوط الهامّة التي اعتمدها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في بناء الجماعة الصالحة عموماً، كما أنها ـ الشعائر الحسينية ـ كانت القاعدة الهامّة التي يرتكز عليها تحركهم في الأمة، لأنها تستلهم من ثورة الحسين (عليه الصلاة والسلام) وتمجدها وتؤكد أهدافها، وهي أهداف ذات جوانب متعددة سياسية وثقافية وعقائدية وروحية.

وقد وضع الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) التصميم العام لهذه الشعائر، وأعطوها أبعادها الدينية الكاملة، وحددوا الشكل والمضمون الذي يتناسب مع الدور المهم الذي لابد لها أن تؤديه، بحيث تنسجم من ناحية الشكل مع ظروف المأساة وأتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ومن ناحية المضمون مع الأبعاد السياسية والروحية والثقافية والعقائدية.

ولاشكّ أن نهضة الحسين (عليه الصلاة والسلام)كان لها تأثير بالغ وكبير في حركة التأريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامة، بحيث أدت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأمة إلى حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من مخاطر الانحراف الكثيرة. كما كان لها دور آخر مكمّل لدور الثورة نفسها، ويكاد يختص هذا الدور بالكتلة الصالحة وأبنائها، وإن كان له بعض التأثير في أوساط المسلمين عامة أيضاً.

 

الجماعة الصالحة والشعائر الحسينية :

إن الجماعة الصالحة كانت ولاتزال تقيم مجلس العزاء على الحسين وفي جميع الأمكنة، وحتى في المناطق التي لا توجد فيها الحرية والأمن، فقد كانوا يتخذون أماكن أخرى للمحافظة على ثقافتهم وعقائدهم وتأريخهم، فنشأت بذلك فكرة تأسيس ما يسمى ألان بـ (الحسينية)(1) فكانت البداية تنطلق من فكرة اتخاذ مركز يتحدثون فيه بحرية وأمان، كما تحدثت بذلك روايات أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وكان أكثر ما يدور في تلك الأمكنة هو الحديث عن الحسين (عليه الصلاة والسلام) ومظلوميته، فتطورت هذه الفكرة حتى أصبح أتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يؤسسون (الحسينيات) ويبنونها ويتخذونها مراكز ثقافية واجتماعية.

وفي بعض الأحيان يجعلون قسماً من البناء مسجداً حرصاً على البعد الديني والشعائري للمسجد، وقسماً من البناء حسينية تمجيداً لذكرى أبي عبد الله الحسين (عليه الصلاة والسلام) من ناحية، ولضمان المزيد من الحرية في العمل والنشاط من ناحية أخرى، وتنزيهاً للمسجد مما يمكن أن تتعرض لـه هذه الأماكن من مكروهات ومحضورات شرعية من ناحية ثالثة، خصوصاً أن جمهور فقهاء مذهب أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يعتقدون بوجوب تنزيه المساجد من النجاسات والأقذار وحرمة استقرار الحائض والجنب في المساجد وكذلك كراهة الأكل والنوم وحضور الأطفال فيها(2). وهذه الأحكام لا تجري بطبيعة الحال على الحسينيات، كما أنه يكره القيام ببعض الأعمال في المساجد مما لا يسري إلى الحسينيات.

مضافاً إلى ممارسة بعض النشاطات الاجتماعية والثقافية فيها، مثل: مجالس العزاء والأفراح الخاصة أو الاحتفالات العامة التي قد تضايق المصلين، أو تأسيس صناديق القرض أو المكتبات العامة فيها.

وبذلك تحولت الحسينية إلى مؤسسة ثقافية أخرى – غير المسجد – اعتمدها أتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) لنشر الثقافة السلامية، وأصبحت منطلقاً لمشروع مؤسسة ثقافية واسعة ثالثة اختص بها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وهي الشعائر الحسينية. ولكن مؤسسة الحسينية تعتبر – في الحقيقة – امتدادا لمؤسسة المسجد الإسلامية.

 

قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) أُطروحة إلهية :

يمكن أن نقول: إن قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) أُطروحة إلهية غيبية، ليست بلحاظ تاريخ الأُمَّة الإسلامية فقط، وإنما بتاريخ الإنسانية كلّها، فهي شبيهة إلى حدٍّ ما بأُطروحة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) التي يراد بها أن يختم التاريخ الإنساني، وتقوم حكومة العدل التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، حيث وضعت هذه الأُطروحة منذ بداية التاريخ واعتبرت نهاية له.

ولذلك نجد الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)كانوا يبشّرون بأُطروحة الإمام المهدي (عليه الصلاة والسلام)، ويبشّرون بذلك اليوم الذي تمتلئ فيه الأرض قسطاً وعدلاً، وتقوم فيه حكومة العدل الإلهي الكامل.

أُطروحة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) يمكن أن تعتبر من هذا القبيل، ولذلك نجد أنّ الحديث عن الحسين (عليه الصلاة والسلام) وارد على لسان الأنبياء السابقين (عليهم الصلاة والسلام)، وعلى لسان نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) قبل هذه الحادثة(3)، وأُريد منها أن تبقى أُسوة وقدوة للأُمَّة الإسلامية، التي هي خير أُمَّة أُخرجت للناس، وهي الأُمَّة الخاتمة بعد افتراض انقضاء عهد النبوّات؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وبالتالي فهذه الأُمَّة تحتاج إلى طاقة محرّكة، وتحتاج إلى أُطروحة ترسّخ دعائم الخط الأصيل لهذه النبوّة الخاتمة، بحيث تبقى هذه الأُمَّة كما عبّر عنها القرآن الكريم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(4)، وتبقى محتفظة بأصالتها وانتمائها الحقيقي لهذه النبوّة الخاتمة.

وكانت إحدى القضايا الأساسية المُهِمَّة في تاريخ هذه الأُمَّة هي قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام)، بل يمكن أن تعتبر أهم قضية أساسية التي تؤصِّل هذه الأُمَّة، وتجعلها مرتبطة بالنبوة الخاتمة.

 

أطروحة شعائر الحسين (عليه الصلاة والسلام) :

الحديث عن هذا الموضوع يحتاج إلى كلام مفصّل، وبيان بعض الشواهد والدلائل، وعندما نقول: إن قضية الحسين أُطروحة إلهية غيبية، لا نقصد إنها خارجة عن مجرى التاريخ، وعن التأثير في مجرى التاريخ، وبالتالي فهي خارجة عن قضية القدوة والأُسوة، بل على العكس أريد من قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) أن تكون القدوة والأُسوة، ولكن وضعت – هذه القدوة والأُسوة – في موضع غيبي، بحيث يراد لها أن تؤثّر في مجرى التاريخ الإسلامي.

والأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام) وضعوا برنامجاً – من أجل تحقيق هذه الأهداف التي أُريدت للأُطروحة – وهو ما نعبّر عنه: بالشعائر الحسينية، التي بقيت مستمرّة ومؤثّرة في هذا التاريخ، وبالتالي تحفظ للأُمَّة أصالتها، وكان لها دور في مختلف مراحل تاريخ الأُمَّة الإسلامية.

ولذلك فهذه الشعائر ليست مجرّد أُسلوب من الأساليب التي يبتكرها المبتكرون، من أجل أن يصلوا إلى نتائج معيّنة، كما هو الحال في مختلف أساليب العمل.

طبعاً دعا الإسلام إلى العمل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كما ورد في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(5)، وترك الأساليب لتحقيق هذه الحكمة إلى المخلصين من الناس، من أجل ابتكار هذا الأُسلوب أو ذاك، ولكن هناك بعض الأساليب وضعت وصممت من قبل أصحاب الشريعة، وهم أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ولذلك تكتسب هذه الأساليب صفة شرعية، وأهمّية شرعية.

ومن هذا القبيل: أُسلوب الدعوة إلى الله عن طريق طلب العلم وتشكيل الحوزات العلمية، وإيجاد المراكز الدينية كالمساجد مثلاً، فهذا الأُسلوب صمّم إسلامياً من قبل القرآن الكريم، ومن قبل النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام)، ولذلك يكتسب صفة شرعية ودينية، ويختلف عن أُسلوب يبتكره إنسان مؤمن مخلص، كأن يؤسّس جمعية أو حزباً أو فريقاً رياضياً أو داراً لنشر الكتب، وما أشبه ذلك من الأساليب التي يبتكرها المبتكرون، من أجل تحقيق الأهداف الكلية في الدعوة إلى الله تعالى .

فهذه أساليب محترمة، ويثاب المؤمن على ممارستها، ولكن تبقى عبارة عن اجتهادات تتناسب مع مرحلة معيّنة أو ظرف معيّن.

أما عندما يكون الأُسلوب مصمّماً من قبل الشريعة، ومن قبل أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) فحينئذ يكتسب أهمية خاصة؛ لأنّ المضمون يكون إسلامياً، والأُسلوب يكون إسلامياً أيضاً، والشعائر الإسلامية من هذا القبيل، ولذلك نجد أنّ الكثير ممن يلتزم بهذه الشعائر، يلتزم بها باعتبارها عملاً دينياً شرعياً يتقرّب به إلى الله سبحانه وتعالى.

نحن يجب أن نفهم الشعائر من هذا المنطلق، ولذلك نجد أنّ بعض الشعائر الحسينية تكتسب هذه الصفة الدينية باعتبار أنّ الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام) كانوا يمارسونها ويحثّون عليها، من قبيل الزيارة ومجلس التعزية، ولكن بعض هذه الشعائر قد لا تكتسب هذه الصفة الدينية، وهي شعائر مخترعة مثل: الخروج بالسيوف والعصي والمشاعل والنداء يا حسين، وما أشبه ذلك، فالتظاهر بهذا الشكل ـ يعني على شكل مظاهرة وهوسة ـ أُسلوب مخترع في مقام التعبير عن عواطفنا، وليس أُسلوباً وضعه الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام).

وعندما أقول: ليس أُسلوباً وضعه الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام) لا أعني أنّ هذا العمل غير صحيح، فقد يجتهد الإنسان في بعض الأساليب وتكون صحيحة ومعبّرة، ولكن يجب أن نفرّق بين أُسلوب وضعه الأئمَّة فيكون أُسلوباً أصيلاً، وله بُعد على مرّ التاريخ، ولا يختلف من زمان إلى زمان، ولا يرتبط بظرف دون آخر، وإنما يأخذ مساره في التاريخ في كل المراحل والأزمنة، وبين أسلوب مخترع جاء باجتهاد إنسان، فحينئذ قد يكون مناسباً ولظرف معين دون آخر، ويكون مناسباً لمجتمع دون آخر. فالزيارة – مثلاً – من الأساليب التي وضعها الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) يشترك فيها مراجع الإسلام وكبار العلماء، ويشترك فيها الطفل الصغير والمرأة البسيطة والشيخ الكبير، وكل الطبقات والمستويات وكل المجتمعات.

أما بقية الأساليب فقد تختلف من مجموعة إلى أُخرى، ومن مستوى إلى آخر.

نحن يجب أن ندرك هذا الفهم بالنسبة للشعائر الحسينية، ويجب أن نفهمها كأناس متديّنين مؤمنين نريد أن نمارسها بهدف إسلامي ديني، ويجب أن نُميز بين بعض الشعائر على هذا الأساس.

من خلال قيامي بمراجعة الأخبار الواردة في الشعائر الحسينية في كتاب البحار الذي يجمع اغلب الأخبار الواردة في الكتب، الصحيح منها والسقيم، بل وحتى المتداولة بين العلماء، وهي أيضاً عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ومنها ما نعبّر عنه بأطياف وأحلام وليست بأخبار،.. فعند مطالعتي لما يتعلق بشعائر أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وجدت أنّ أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يؤكّدون على ثلاث شعائر أساسية ورئيسية لابدّ أن نهتم بها اهتماماً بالغاً.

أمّا الشعائر الأُخرى فلا أُريد أن أقول عنها شيئاً، فربّما تعبير عن عواطف وأحاسيس، وذلك متروك للإنسان، لكن هناك أموراً اهتم بها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ويجب أن نهتم بها، ونربّي أبناءنا وشبابنا ونساءنا وإخواننا عليها.

أي: إن الشيء الذي تكون فيه قربة إلى الله سبحانه وتعالى ونتعبد به هو ما تمثله هذه الأمور الثلاث، أمّا ما عداها فلا يمكن التعبّد به إلى الله؛ لأنه لم يرد فيه شيء من الشرع، وبالتالي إذا جاء به الإنسان بعنوان العبادة فيكون بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فلا يصح أن يتصرف الإنسان بالعبادة كيفما يشاء كأن يصلي الظهر خمسة، ويقول: لا بأس بزيادة ركعة فالصلاة محبوبة إلى الله تعالى، بل صلاته باطلة وجاء ببدعة وارتكب إثماً.

أقسام الشعائر الحسينية :

يمكن تقسيم الشعائر الحسينية من الناحية الواقعية بحسب الشكل والمضمون إلى قسمين رئيسيين:

 

الشعائر المنصوصة :

القسم الأول: الشعائر الحسينية المنصوصة، أي التي ورد فيها نص ثابت وصريح عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وهذه تتصف بالثبات بحسب الأداء، وهي ثلاث:

 

البكاء :

الشعيرة الأولى: البكاء على الحسين (عليه الصلاة والسلام) بنفسه أمر مطلوب، فحتى لو جلس الإنسان وحده دون أن يعقد مجلساً وبكى على الحسين (عليه الصلاة والسلام) فهذا في نفسه عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، شأنه في ذلك شأن بقية العبادات التي إذا مارسها الإنسان بينه وبين نفسه يكون له فيها ثواب وتربية وتكامل في حياته وفي حركته الشخصية.

وقد وردت في شعار البكاء وجميع مظاهر التعبير عن الحزن والأسى والتظلّم المعقول أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) تذكر أهميتها والآثار المترتبة عليها، وذلك لما فيها من التعبير عن التفاعل العاطفي والروحي مع مأساة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام). وكذلك وردت النصوص الكثيرة عن قيام أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بالبكاء على الحسين (عليه الصلاة والسلام)، خصوصاً وقد وضع أسس هذا الشعار ورفعه في مداه الواسع الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام).

فقد روى ابن قولويه في ((كامل الزيارات)) أن مولىً للإمام علي بن الحسين (عليه الصلاة والسلام) اشرف عليه وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: ((يا علي بن الحسين، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فرفع رأسه إليه وقال: ويلك ـ أو ثكلتك أمك ـ والله لقد شكا يعقوب إلى ربه في أقل ما رأيت حين قال: ((يا أَسَفا على يوسف))(6) وإنه فقد ابناً واحداً، وإني رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبَّحون حولي))(7).

فالإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام)كان ساجداً ويبكي وهو ليس في حالة عبادة، فعلى ما يبدو أنه كان يبكي لمصيبة أبيه وأهل بيته، وقد تبيّن لمولاه من بكائه ذلك.

وروى أيضاً عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((بكى علي بن الحسين على الحسين بن علي (صلوات الله عليهم) أجمعين عشرين سنة ـ أو أربعين سنة ـ وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى على الحسين(عليه الصلاة والسلام) حتى قال له مولىً له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين! فقرأ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(8). إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك العبرة))(9).

ولا يمكن أن نحمل هذه الممارسة الواسعة والممتدة للإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام)على أنها مجرد انفعال عاطفي بالمشاهد التي عاشها أيام محرم الحرام، بحيث لم يكن قادراً على ضبط أحاسيسه وعواطفه طيلة هذه الفترة من الزمن، وإنّما ينبئ هذا ـ بالإضافة إلى ذلك ـ عن تصميم وتخطيط محكم كان يمارسه الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام)، يعتمد على الحقيقة المأساوية التي عاشها (عليه الصلاة والسلام) شخصياً، ويؤكد عمقها وهولها لتبقى قضية تعيشها الأمة الإسلامية، وتتحرك على أساسها الجماعة الصالحة.

وقد أعطى أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بعد الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) عمقاً آخر لهذا الشعار عندما طرحوه مصداقاً ثالثاً من مصاديق تعظيم شعائر الله، وأسلوبا للتعبير عن استنكار الظلم، والتفاعل الذاتي مع قضية كربلاء وأهدافها، ومنهجاً لتزكية النفس وتهذيبها، بحيث تحول إلى عبادة يمارسها الإنسان بطريقة فردية أو جماعية.

فقد ورد التأكيد عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)على أهمية البكاء أو التباكي على الحسين (عليه الصلاة والسلام) والثواب المترتب عليه، بحيث أصبح مصداقاً آخر من مصاديق البكاء المحبوب لله تعالى، يشبه البكاء من خشيته سبحانه وتعالى.

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) أنه قال لفضيل: ((تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال: إن تلك المجالس اُحبّها فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل، من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر))(10).

وعن أبي هارون المكفوف قال: ((دخلت على أبي عبد الله(عليه الصلاة والسلام)فقال لي: أنشدني، فأنشدته فقال: لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره، فأنشدته:

امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية

قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مرّ فمررت، قال: ثم قال: زدني. قال: فأنشدته:

يا مريم نوحي على مولاك وعلى الحسين فأسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء. قال: فلما أن سكتن قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين فأبكى عشرة فله الجنّة، ثم جعل ينتقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحداً فله الجنة. ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنّة))(11).

 

فلسفة البكاء :

وندرك أهمية البكاء من خلال ملاحظة الآثار التالية المترتّبة عليه:

أولاً: إن البكاء له بعد سياسي؛ لأنه طريقة فضلى إنسانية واجتماعية ـ سليمة وهادئة ـ لاستنكار الظلم والتعبير عن عمق المأساة والمظلومية التي تعرض لها الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأهدافه النبيلة.

وتظهر أهمية هذا الأسلوب في البعد السياسي في ظروف المحنة والقمع والإرهاب، عندما تعجز بقية الأساليب عن التعبير عن ذلك.

وقد كان شيعة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يعيشون في مختلف الأدوار ظروفاً صعبة وقاسية، فيصبح هذا الأسلوب أفضل الأساليب للتعبير عن موقفهم السياسي وبقائهم مشدودين إلى هذا الموقف.

بهذا يمكن أن نفهم ـ وبشكل واضح ـ اهتمام الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) بهذا الأسلوب بالذات، بالإضافة إلى الواقع النفسي الذي كان يعيشه بسبب حضوره في كربلاء.

وهذا يؤكد حقيقة مهمة في تخطيط أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) تجاه القضية السياسية، وهي: إن الإنسان المؤمن لابد له أن يقرن إيمانه السياسي بالقضية بموقف عملي تجاهها مهما كانت الظروف، ولو كان هذا الموقف العملي هو أضعف الإيمان، ولا يصح له بأي حال من الأحوال أن يقف موقف اللامبالاة تجاه الفكر السياسي أو العقيدة السياسية.

وهذا ما تؤكده ـ أيضاً ـ الروايات التي وردت في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من وجوب إنكار المنكر ولو بالقلب إن لم تكن المرتبة الأعلى مقدورة أو كانت محظورة، ولذا عبر عنها بأنها: أضعف الإيمان(12).

ثانياً: إن البكاء يجسد تفاعلاً ذاتياً أخلاقيا مع مأساة كربلاء، ولكن بالحد الأدنى من التفاعل، ويشد عواطف الإنسان المسلم بالقضية وأهدافها ورجالها، ويبعده وينفّره طبيعياً عن أعدائها وأخلاقهم ومقاصدهم.

وهذا البعد الأخلاقي في البكاء كان أحد الأسباب الطبيعية التي تمكّن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من خلالها أن يحفظوا في الجماعة الصالحة أخلاقية الانضمام والوقوف إلى جانب الحق والمواجهة للظلم، بالرغم من الضغوط التي كانوا يواجهونها سواء على المستوى الاجتماعي أم الفردي، وسواء على المستوى الخارجي، كالضغوط التي يمارسها الطغاة ضدهم، أم على المستوى الداخلي كضغوط الشهوات والرغبات.

ثالثاً: إن البكاء يمثل منهجاً في تزكية النفس وتطهيرها من الأدران، ويرفع درجة الإحساس في الإنسان بآلام الإنسانية، والانحرافات الاجتماعية، والوعي لقضايا الظلم والعدل؛ ذلك لأنه يؤثر في رقّة القلب ويقظة الضمير ووعي الوجدان، وفي تصوري أنّ من أهم القضايا التي واجهت الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأدّت بعد ذلك إلى الفاجعة والمصيبة هي القضية الأخلاقية والوجدانية التي نعبّر عنها بالضمير والوجدان.

فقد واجه الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) الغدر والخيانة، حتى من أحبائه وأتباعه، باستثناء النخبة الصالحة التي ثبتت معه واستشهدت.

فهناك ثمانية عشر ألف رسالة – وفي بعض الروايات أربعون ألف رسالة – وصلت الحسين (عليه الصلاة والسلام) تحثه على المجيء إلى الكوفة، وتعهّد فيها أصحابها بأنهم سيقاتلون ويجاهدون معه(13).

وكذلك العدد الكبير من الناس الذين بايعوا مسلم بن عقيل بيعة للحسين (عليه الصلاة والسلام)كانوا يقيناً يحبون الحسين(عليه الصلاة والسلام). وقد التقى الحسين (عليه الصلاة والسلام) بالشاعر الفرزدق في طريقه إلى كربلاء وسأله (عليه الصلاة والسلام) عن حال الناس، فقال: ((قلوبهم معك وسيوفهم عليك))(14).

فالحالة العامة للكوفة كانت بهذه الصورة، إلا أن أهل الكوفة غدروا به، وهذا الواقع يمثل جانباً أخلاقياً، فحالة البقاء على العهد والالتزام بالمواثيق والبيعة هي قضية أخلاقية نعيشها دائماً في حياتنا الاجتماعية، وتتصرف في كل حكم وفي كل واقع، فالجماهير إذا كانت على مستوى عال من الأخلاق فإنها ستلتزم بالعهود وتسير عليها، أما إذا كانت على مستوى دون ذلك من الناحية الأخلاقية فالالتزامات لا تكون بالنسبة لها ذات أهمية، ومهما أعطت من عهود ووعود فهي مستعدة لنقضها.

وهناك قضية أخلاقية أُخرى كانت إلى جانب أعداء الحسين (عليه الصلاة والسلام)في الأصل، وهي: إنهم كانوا مستعدين أن يبيعوا دينهم بدنياهم، وأن يبيعوا أنفسهم وضمائرهم ووجدانهم بالأموال.

وأبرز شاهد على ذلك قضية عمر ابن سعد، باعتباره يمثل قيادة الجيش(15). فإذا كان رأس القوم بهذه الأخلاقية فكيف بمن بعده ودونه من الأشخاص؟!

وحتى عبيد الله بن زياد ـ الذي كانت بينه وبين يزيد ابن معاوية خلافات داخلية كعائلة حاكمة، وكان يزيد يفكر بعزله عن إمرة البصرة فضلا عن إعطائه إمرة الكوفة ـ تحوّل في الأخير إلى كلب مطيع ليزيد، يصنع كل شيء كي يرضيه.

وأبوه زياد كان والياً لأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وبمجرد أن أغدق عليه معاوية الأموال تحول إلى كلب مطيع لمعاوية، فقتل حجر بن عدي وأصحابه، وشرد أصحابه وأصدقاءه من المؤمنين ليحقق مصالحه.

فالبكاء يطهر وجدان الإنسان وينقّيه ويجعله يتحسس بالآلام وبالظلم، ويعرف معنى العدل وكل المعاني الإنسانية التي ثار من أجلها الحسين (عليه الصلاة والسلام).

ولذلك يجب أن نجهد أنفسنا عندما نجلس في هذه المجالس ونبكي؛ لأنّ في ذلك ثواباً عظيماً، بالإضافة إلى انه يبقي جانب الضمير يقضاً والخطباء جزاهم الله خير الجزاء يذكرون دائماً الثواب العظيم الذي جاء في الروايات(16).

أمّا بعضنا فمع الأسف عند إقامة الشعائر الحسينية ربما لا تخرج من عينه قطرة واحدة من الدمع، ويتصور أنه صنع شيئاً محبوباً.

 

فجائع كربلاء :

 ومما يؤكد إحياء الجانب الوجداني في قضية كربلاء أنها احتوت على الكثير من الجرائم الأخلاقية، التي منها مقتل الطفل الرضيع، فهذه الحادثة في الواقع تمثل نهاية الخسة والنذالة لإنسان يعتبر نفسه أحد الأبطال الكبار كحرملة، فيقوم بعملية رذيلة كهذه، أو الذين تبرعوا بسحق صدر الحسين(عليه الصلاة والسلام)بخيولهم طحن أضلاعه، أو من سلبوا ثيابه، أو من صنعوا الأسلحة ليحصلوا على المادة.. وغيرها من الفجائع إذا دققنا فيها فسنلاحظ أنها مرتبطة بالجانب الأخلاقي والوجداني والضميري، أي أنّ قسماً كبيراً منها كانت قضية أخلاقية، فهذا الجانب المتردي المتسافل من الأخلاق أدى إلى هذه الدرجة من الصورة المخزية التي نسمعها عن قضية كربلاء.

إذن، فقضية الأخلاق التي تعتمد على الضمير والوجدان هي قضية أساسية ومركزية، ولذلك اهتم أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بقضية إحياء الضمير وجعله متحسساً متفاعلا مع العاطفة والقضايا الفطرية الإنسانية.

والبكاء ليس عبارة عن عملية إرادية مثل الكلام والأكل والشرب التي يمكن أن يتحكم فيها الإنسان، وإنما هي تحسس القضية بوجدانه وضميره والتفاعل معها، حينها ينزل الدمع من عينيه.

فالأئمة (عليهم الصلاة والسلام)أرادوا لشيعتهم أن يكونوا ذوي ضمائر حية ويقضة تتفاعل مع هموم الإنسان ومشاكله.

ومن القضايا التي تميّز أتباع أهل البيت (عليه الصلاة والسلام)(17)، أنهم وعلى مدى التاريخ يقفون إلى جانب الحق والمظلومين، ويتعرضون إلى ظلامات وآلام ومعاناة في سبيل ذلك.

وهذا هو أحد الآثار الأساسية في وجدان وضمير هذه الجماعة التي استُلهمت من ضمير الحسين(عليه الصلاة والسلام).

فقضية الأخلاق والضمير والوجدان ليست قضية نتجاوز بها في طرح أخلاقية الإسلام وأخلاقية الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وأخلاقية الوقوف إلى جانب المظلوم ومواجهة الظالم. وإنما نعتبرها قضية قد ورثناها من الحسين ومن علي (عليه الصلاة والسلام) ومن جميع أئمتنا الأطهار (عليهم الصلاة والسلام) الذين اهتموا بتربيتنا عليها فتميزنا بها. بل أنها تمثل أهم القضايا التي تؤثر في مسيرة الإنسان الذاتية؛ ولذا عالجها القرآن الكريم في مواطن كثيرة، وانتقد بشدة قسوة القلب، كما كان يمجّد رقة القلب وخشوعه.

ومن الآيات الواردة في ذم قسوة القلب ومدح رقته قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}(18). وقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}(19). وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(20). وقال متحدثاً عن اليهود: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}(21). وقال: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ}(22). وقال: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}(23).

ووهن القلب والطبع والختم على القلب التي يتحدث عنها القرآن الكريم، إنّما تنطلق من قسوة القلب. وفي مقابل ذلك طهارة القلب وخشوعه ووجله ولينه واطمئنانه.

ولا شك أن البكاء يمثل أفضل وسيلة لغسل درن القلب، وتهيئة الأرضية الصالحة فيه للتفاعل والتأثر. ومن هنا جاء الحث الشديد من الشارع المقدّس على البكاء من خشية الله تعالى، وأصبحت العين الباكية من خشية الله في صف العين التي تكف عن محارم الله أو تسهر في سبيل الله كما ورد في الحديث(34).

وبهذا يكون للبكاء بُعد روحي ووجداني بالإضافة إلى بُعده السياسي والأخلاقي.

مضافاً إلى ذلك ـ أي البُعد الروحي والوجداني والسياسي ـ يمكن أن نتصور في البكاء بُعداً ثقافياً يرتبط بموضوع العدل والظلم، حيث إن دوافع البكاء التي تثير في الإنسان هذا الإحساس العاطفي والوجداني لاشك أن لها تأثيراً في ثقافة الإنسان وفهمه للحياة وتفاعله مع قضاياه. وعندما يتم التركيز على الإثارة تجاه المظلومية والتعرض للعدوان، ويتفاعل الإنسان معها فلا شك أنه سوف يكوّن تصوراً عن أسباب الظلم ورفضها، وعن مقاييس العدل والالتزام بها، حيث يتم شرح ذلك عادة وتفصيله في مثل هذه الإثارات.

 

الزيارة :

الشعيرة الثانية: كانت زيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) في الأساس حضوراً إلى جانب قبر الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ثم أخذت بُعداً أوسع في تعظيم أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)، حيث أصبحت مطلوبة في مختلف الأوقات، ولو من مكان بعيد، ثم أصبحت منطلقاً لزيارة مشاهد قبور الأئمة الأطهار جميعاً والصالحين من أولادهم وأتباعهم.

ولعل أول من قام بزيارة قبر الأمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) هو الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) في يوم الأربعين من شهادته على ما تذكر بعض النصوص، وذلك عند رجوعه من الشام في طريقه إلى المدينة المنورة.

ثم ندب أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بعد ذلك إلى زيارة قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ونصّت بعض الروايات على أنها فريضة على من يؤمن بإمامته من شيعة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)(25). كما تحدثت ـ أيضاً ـ النصوص الصحيحة الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)عن الثواب والأجر العظيم الذي يترتب على هذا العمل العبادي الشريف وأفضليته على العمرة والحج المندوبين(26). وهناك نصّ للإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) كان يقوله في دعائه عندما يسجد ويشكر الله، وهو دعائه لزوار قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام). وهو نص مؤثّر جداً يهز الإنسان هزّاً(27).

كما روى الشيخ الطوسي(رحمه الله) في المصباح زيارة أخرى غير الزيارة المعروفة في يوم عاشوراء، كما رواها بطريق معتبر صاحب المزار الكبير عن عبد الله بن سنان قال: ((دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمد(عليهما السلام)في يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت: يابن رسول الله، ممَّ بكاؤك لا أبكى الله عينيك؟ فقال لي: أو في غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين بن علي(عليهما السلام) أُصيب في مثل هذا اليوم؟!

قلت: يا سيدي فما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وانكشفت الملحمة عنهم، وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً في مواليهم، يعزّ على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)مصرعهم، ولو كان في الدنيا يومئذ حياً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزّى بهم… يا عبد الله بن سنان، إن أفضل ما تأتي به في هذا اليوم أن تعمد إلى ثياب طاهرة فتلبسها وتتسلّب، قال: وما التسلّب؟ قال: تحلل أزرارك، وتكشف عن ذراعيك كهيئة أصحاب المصايب، ثم تخرج إلى أرض مقفرة أو مكان لا يراك به أحد أو تعمد إلى منزل لك خال، أو في خلوة منذ حين يرتفع النهار، فتصلي أربع ركعات تحسن ركوعها وسجودها وتسلّم بين كل ركعتين، تقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفي الثانية الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم تصلّي ركعتين تقرأ في الركعة الأولى الحمد وسورة الأحزاب، وفي الثانية الحمد وسورة {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ}، أو ما تيسر من القرآن، ثم تسلّم وتحول وجهك نحو قبر الحسين(عليه الصلاة والسلام)ومضجعه فتمثل لنفسك مصرعه ومن كان معه من ولده وأهله وتسلّم وتصلي عليه، وتلعن قاتليه فتبرأ من أفعالهم، يرفع الله عزّوجلّ لك بذلك في الجنّة من الدَّرجات ويحطُّ عنك من السيئات.

ثم تسعى من الموضع الذي أنت فيه إن كان صحراء أو فضاء أو أي شيء كان خطوات تقول في ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون رضاً بقضائه وتسليماً لأمره، وليكن عليك في ذلك الكآبة والحزن، وأكثر من ذكر الله سبحانه والاسترجاع في ذلك.

فإذا فرغت من سعيك وفعلك هذا فقف في موضعك الذي صلّيت فيه ثم قل: اللهم عذّب الفجرة الذين شاقّوا رسولك، وحاربوا أولياءك، وعبدوا غيرك واستحلوا محارمك، والعن القادة والإتباع، ومن كان منهم فخبّ وأوضع معهم أو رضي بفعلهم لعناً كثيراً. اللهم وعجّل فرج آل محمد، واجعل صلواتك عليهم واستنقذهم من أيدي المنافقين والمضلّين، والكفرة الجاحدين، وافتح لهم فتحاً يسيراً، وأتح لهم رَوحاً وفرجاً قريباً، واجعل لهم من لدنك على عدوّك وعدوّهم سلطاناً نصيراً.

ثم ارفع يديك، واقنت بهذا الدعاء، وقل وأنت تومي إلى أعداء آل محمد صلوات الله عليه …))(28) الحديث.

 

أسرار وأبعاد شعار الزيارة :

عندما نخاطب الحسين (عليه الصلاة والسلام) ونقول: أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وأتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر ونقول: السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله… وهكذا. فنذكر كلّ الأنبياء وتاريخهم ورسالاتهم، نريد ان نثقف بهذه المضامين.

فلهذه الزيارة المباركة عدة أبعاد أساسية:

الأول: إن هذا الشعار يعبر عن مجموعة الأبعاد التي تعبر عنها شعائر الحج في النظرية الإسلامية، ولكن في إطار خاص وهدف محدود وهو: تربية الجماعة الصالحة والخط الأصيل المتمثل بأتباع أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)على مضمون نهضة الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ويتم ذلك على مستوى الولاء لهذا المحور الإسلامي، وهو الحسين والتلبية لندائه، باعتباره داعياً إلى الله ((لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري، سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولا))(29)، أو على المستوى الثقافي لهذه الشعائر أو السياسي وحتى الاقتصادي لها.

الثاني: ربط حركة الكتلة والخط الإسلامي الأصيل بهذا المحور الإسلامي ومواقفه الشرعية، فإنّ أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) ـ باعتبار اختلاف ظروفهم ومن ثم اختلاف مواقفهم السياسية المرحلية ـ كانوا دائماً بحاجة إلى أن يؤكدوا خطاً ثابتاً في مسيرتهم وموقفاً واضحاً في مذهبهم، وهو خط الرفض للطغيان والظلم الذي أعلنه الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وتحدّث عنه في أول خطبة ألقاها على أهل الكوفة:

((أيها الناس، إن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهده، مخالفاً لسنّة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بقول ولا فعل كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإني أحق بهذا الأمر))(30).

وقد اهتم أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بترسيخ هذا الخط الثابت في موقفهم ترسيخاً واضحاً لا لبس فيه من خلال التركيز على محور زيارة الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وتجديد البيعة له وتلبية ندائه.

الثالث: تثقيف الجماعة الصالحة على الالتزام بالمفاهيم العقائدية والأخلاقية والسياسية التي تضمنتها نصوص الزيارات التي وردت للحسين (عليه الصلاة والسلام) في الأيام المخصوصة المختلفة، حيث كانت الزيارة تكريساً لموسم خاص للتعبير عن هذا الالتزام تجاه هذه المفاهيم ذات الأبعاد المتعددة. الأمر الذي أوجد خطاً ثقافياً واعياً وثابتاً في وسط هذه الجماعة الصالحة.

الرابع: التعبير السياسي والاجتماعي عن وجود الجماعة الصالحة من ناحية، وفتح الأبواب أمام بقية المسلمين للالتحاق بحركة هذه الجماعة من ناحية أخرى، وذلك من خلال الارتباط بحركة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) التي أصبحت حركة معترفاً بها من جميع أوساط المسلمين.

ولعل هذه الحقيقة تفسّر ظاهرتين بارزتين في تاريخ ووجود هذه الزيارة:

إحداهما: الممارسات القمعية العدوانية التي كانت ترتكبها السلطات الجائرة والطغاة المجرمون بحق أبناء المسلمين الذين كانوا يتوافدون على زيارة المرقد الشريف للإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام)، حيث كان يتعرض هؤلاء الزوّار إلى القتل أو فرض الاتاوات أو التنكيل بقطع الأيدي والمطاردة في بعض الأدوار، أو يتعرض القبر إلى الهدم المتعمد، كما حصل في زمن المتوكل العباسي(31)، أو الوهابيين عندما هجموا على العراق في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، أو حكومة العفالقة في العراق في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري.

ثانيتهما: تأكيد أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) على شيعتهم بضرورة ممارسة هذا الشعار بالرغم من المخاطر التي كانت تحفّ بالزائرين، وبالرغم من نهج التقيّة، الذي التزموا به، وحرص الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)على المحافظة على شيعتهم وتجنيبهم مختلف المخاطر والآلام، بحيث تكاد أن تتحول الزيارة في نظرهم إلى قتال في سبيل الله.

عن أبي جعفر الباقر (عليه الصلاة والسلام) قال: عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: ((مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي (عليهما السلام)فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين (عليه الصلاة والسلام) بالإمامة من الله عزوجل))(32) وقال أبو عبد الله الصادق (عليه الصلاة والسلام): ((لو أن أحدكم حجّ دهره ثمّ لم يزر الحسين ابن علي(عليهما السلام) لكان تاركاً حقاً من حقوق الله وحقوق رسوله(صلّى الله عليه وآله)، لان حق الحسين(عليه الصلاة والسلام)فريضة من الله عز وجل واجبة على كل مسلم))(33) .

والمهم في الرواية السابقة ذيلها، حيث يقول: ((وزيارته مفترضة – يعني واجبة – على من أقر للحسين (عليه الصلاة والسلام) بالإمامة من الله عز وجل)) أي أنه إمام مفترض الطاعة.

والفقهاء يذكرون أنّ زيارة الحسين (عليه الصلاة والسلام) تارة تكون لقبره بشكل مباشر، وهي أفضل أنواع الزيارة، وتارة تكون من بُعد، وتوجد أحاديث وروايات كثيرة تبين كيفية وأسلوب الزيارة مِن بُعد.

فمن الضروري جدّاً لكل المؤمنين أن يهتموا بهذا الأمر، في ليالي الجمعة وفي المناسبات، التي تكون زيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) فيها أحد الأمور الأساسية التي لابدّ من الاهتمام بها.

ففي رواية عن ابن قولويه عن أبي عبد الله الصادق (عليه الصلاة والسلام)، قال سمعته يقول: ((زوروا الحسين(عليه الصلاة والسلام) ولو كل سنة، فان كل من أتاه عارفا بحقه غير جاحد لم يكن له عوض غير الجنة، ورزق رزقا واسعا، وأتاه الله بفرج عاجل، إن الله وكّل بقبر الحسين بن علي (عليه الصلاة والسلام) أربعة آلاف ملك كلهم يبكونه ويشيعون من زاره إلى أهله، فان مرض عادوه، وان مات شهدوا جنازته بالاستغفار له والترحم عليه))(34).

وهكذا وردت روايات كثيرة تؤكد هذا المضمون، بل في بعضها ساوتها مع زيارة النبي، والسر في ذلك يعلم خلال الأمور التالية:

أولا: إنّ زيارته (عليه الصلاة والسلام) تعبر عن ارتباط الزائر به، وحبه لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وولائه لهم، وعقد العهد والميثاق معهم، وهو من الواجبات الشرعية التي فرضها الله تعالى على عباده، حيث قال جل شأنه: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(35).

فالله سبحانه وتعالى فرض على عباده أن يُحبّوا أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) ويوادّوهم ويلتزموا بولائهم.

ومن الواضح أنّ الزيارة تعبر عن الولاء والمودة لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وذلك من الواجبات الشرعية، ولذلك وردت بعض الروايات تقول: إنّ زيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) من الواجبات الشرعية في الجملة، بمعنى أنّ الإنسان يجب أن يزور الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) بالجملة ولو لمرة واحدة إذا تمكن من ذلك.

ثانياً: إنّ الزيارة تثقف الإنسان المؤمن على المبادئ والقيم والمفاهيم التي ثار في سبيلها الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

صحيح، إنّ الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)لم يقتلوا جميعاً كما قتل الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ولم ينهضوا كما نهض، لكنهم جميعاً كانوا يؤمنون بنهضته، وأكّدوا هذا الأمر ليبينوا للناس أنّ نهضة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) هي نهضة الإمام علي (عليه الصلاة والسلام)، وهي نهضة الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، وزين العابدين، ومن تبعهم من الأئمة حتى ظهور الحجة (عجّل الله فرجه) الذي ورد عندنا في الروايات الشريفة أنه بعد ظهوره مباشرة يأتي إلى كربلاء ويزور الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، بل نهضة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) هي نهضة رسول الله (صلّى الله عليه وآله); لأنه نهض للدفاع عن الإسلام والعقيدة الإسلامية والأُمة الإسلامية بكيانها ووجودها وعزتها وكرامتها.

فزيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) هي تعبير عن الإيمان بكلّ هذه المفاهيم والقيم والمثل، وتثقيف الإنسان عليها.

ثالثاً: إنّ الزيارة هي تعبير عن عزة وكرامة المؤمنين من خلال اجتماعهم فيها، وعن التوادّ والتراحم والتواصل بين المؤمنين من خلال توحّد موقفهم.

فالزيارة مظهر من مظاهر العزة والكرامة والشرف والإباء للجماعة، فكما دعا الإسلام الإنسان أن يكون عزيزاً في نفسه، فقد دعاه أيضاً أن يكون عزيزاً في جماعته، وأن يجعلها موحّدة عزيزة كريمة قوية منيعة، يشدُّ بعضها بعضاً.

وكما نجد ذلك في موضوع حج بيت الله الحرام الذي فرضه الإسلام على المسلمين ليبرزوا فيما يبرزوا وحدتهم وقوتهم وكرامتهم وعظم جماعتهم، فعلى المؤمنين أن يهتموا كذلك بزيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) ليظهروا عزّتهم وكرامتهم وارتباطهم بالحسين (عليه الصلاة والسلام).

هذه نبذة من الأسرار التي تفسّر لنا تأكيد أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)على زيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)والبحث في المداليل السياسيّة والأخلاقية والاجتماعية والروحية لهذا الشعار العظيم(36).

 

المجلس الحسيني :

الشعيرة الثالثة: المجالس الحسينية: هي الاجتماعات التي يعقدها أتباع أهل البيت، سواء في أيّام المصيبة العظمى من شهر محرّم وصفر، أم في الأيام الأخرى من العام، والتي يتداولون فيها حوادث مأساة كربلاء وأهدافها وأثارها، مع إظهار الحزن والبكاء والتألم والتأثر، وغيرها من القضايا الدينيّة. وقد جاءت في البداية تعبيراً عن الحزن العميق لمصاب الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وتجسيداً لعظم المصيبة التي نزلت به وبأهل بيته، والأبعاد المأساوية التي اشتملت عليها حادثة كربلاء، وكذلك الوحشية التي اتّسمت بها الطغمة الأموية، وبالخصوص الطاغية(37) يزيد، والتي كشفت عن عمق الحقد والعداء الذي تكنّه هذه العصابة المجرمة ضدّ الإسلام ورسوله وأهل بيته الكرام.

ثمّ تطورت هذه الشعائر الحسينيّة إلى مدرسة سيّارة لإتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) تلبّي جميع الحاجات الثقافية والسياسية والعاطفية والاجتماعية لهذه الجماعة الصالحة، وتتمكّن من التحرّك في وسطها في مختلف الظروف.

وقد بدأت هذه المجالس منذ الأيام الأولى للمأساة في مدينة الشام، عندما بدأ يزيد بالتراجع أمام بدايات الوعي الجماهيري لإبعاد المصيبة، من خلال التوعية الشاملة التي قامت بها العقيلة زينب الكبرى والإمام زين العابدين (عليهما السلام) عند ورود موكب السبايا إلى الشام، وحضورهم في مجلس يزيد بن معاوية، حيث تشير بعض الروايات إلى أنّ الإمام زين العابدين عقد مجلساً تأبينيّاً في الشام لمدّة ثلاثة أيّام(38).

كما أقام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وبعض زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كأمّ سلمة مجالس العزاء في المدينة المنوّرة عند رجوع عيالات الإمام الحسين، ومعهم الإمام زين العابدين إلى المدينة(39).

وبقي أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يعقدون هذه المجالس كلّما أتيحت لهم الفرصة، وخصوصاً في أيّام عاشوراء، ويحثّون شيعتهم ومواليهم على عقدها. وقد تقدّمت الإشارة إلى بعض النصوص التي تتحدث عن هذه الممارسة لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

 وذكرنا انه توجد روايات كثيرة تعبر عن أهمية هذه المجالس وخصوصياتها، منها: ما رواه ابن قولويه والصدوق في الأمالي عن أبي هارون المكفوف، قال: ((دخلت على أبي عبد الله الصادق(عليه الصلاة والسلام) – وكان أبو هارون المكفوف ممن يقرأون الشعر في التعزية على الحسين(عليه الصلاة والسلام) – فقال لي: يا أبا هارون أنشدني في الحسين. فأنشدته، فلم يكتف بهذا القدر.

وقال: أنشدني كما تنشدون بالرقة.

يعني لم يكتف بالإنشاد العادي، وإنّما طلب أن يكون الإنشاد مع الطور الدقيق الحزين.

قال: فأنشدته القصيدة المعروفة.

أمرر على جدث الحسين                          وقل لأعظمه الزكية

حتى بكى. ثم قال: زدني. فأنشدته القصيدة الأُخرى.

قال: فبكى وسمعت البكاء من وراء الستر))(40) فالإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام)كان قد هيّأ المجلس لهذا البكاء، وهذا – في الواقع – يعطينا درساً في أنّ الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام)كان يشرك نساءه وأهل بيته في هذه المجالس. فهذه سنة من سنن الأئمة (عليهم الصلاة والسلام).

وهذا الموضوع من الموضوعات ذات الأهمية، فيجب أن نهتم بتربية نسائنا على سماع الموعظة، وسماع ما يتعلق بأمر الحسين (عليه الصلاة والسلام) من الشعائر الحسينية عن كثب، وإلاّ سنخسر خسارة كبيرة.

فالإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) يعطينا نموذجاً لهذا الأمر، فكما تذكر الرواية أنّ أبا هارون قال: فلما فرغت قال لي الصادق (عليه الصلاة والسلام): ((يا أبا هارون من أنشد في الحسين (عليه الصلاة والسلام)شعرا فبكى وأبكى عشرا كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة، ومن انشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى واحدا كتبت لهما الجنة، ومن ذكر الحسين(عليه الصلاة والسلام)عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة))(41).

 

أهمية المجالس الحسينية وأبعادها :

ونشير هنا إجمالاً إلى بعض الأبعاد للمجالس الحسينية:

البعد الأول: المحافظة على هذا الحدث المهم الذي يمثّل أطروحة إلهيّة لتوعية الأمة الإسلامية لحفظ الرسالة الخاتمة من الضياع أو التشويه والتحريف.

حيث أن السلطة الغاشمة حاولت منذ البداية أن تضيّع الحقيقة، حينما طرحت قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) على أنّها عملية خروج على السلطة الشرعية، وأطلقت عليهم اسم (الخوارج)، وعلى أنّها شق لعصا المسلمين ووحدتهم، وحاولت أن تغطّي على شخصيّة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأهدافه وخلفية نهضته وأسبابها والظروف المحيطة بها، لانّ كلّ ذلك يوضح الحقيقة الناصعة التي قامت على أساسها هذه الثورة العظيمة في تأريخ المسلمين، حتى أنّ يزيد ـ مثلاً ـ حاول في بدايات الأمر أن يتنصّل من مسؤولية هذا الحدث، ويلقي تبعته على ابن زياد. ولكن التخطيط الواعي لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من خلال المجالس الحسينيّة تمكّن من حفظ معالم هذه الثورة من الضياع، وبقيت محفوظة في التأريخ الإسلامي، وفي حياة المسلمين بجميع تفاصيلها وخصوصياتها(42).

البعد الثاني: إبقاء الحدث حيّاً وفاعلاً ومؤثّراً في عدد من الجوانب المهمة في الحياة الإسلامية عامة وفي أوساط الجماعة الصالحة خاصة، وهي:

1. الجانب الوجداني لضمير الإنسان المسلم، لانّ أحد الأهداف الرئيسيّة لهذه الثورة هو هزّ الضمير وإحياؤه وتحريكه عندما يتعرّض إلى الموت أو الخدر الحضاري، أو يقع تحت تأثير الضغوط النفسيّة أو أساليب الإرهاب، بحيث ينتهي بالإنسان إلى فقدان الإرادة مع إدراكه للحقيقة(43).

وبهذا أصبحت هذه المأساة عاملاً محرّكاً ليس للجيل المعاصر لها فحسب، بل على مستوى الوجدان والضمير والإحساس على مرّ العصور والأجيال.

وقد كان للصور الرائعة التي قدّمها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في تجسيد المأساة، وساهم في رسمها والتعبير عنها شعراء هذه المدرسة في ملاحمهم على مختلف العصور دور رائد في هذا المجال.

وبهذا يمكن أن نفهم معنى الروايات التي وردت في الحث على قول الشعر وإنشاده في مصيبة الأمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) خصوصاً(44)، وكذلك يمكن أن نفهم هذا الحجم الضخم من الشعر في الأمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) الذي لا يكاد يوجد له نظير في الأدب الإنساني.

2. جانب الوعي السياسي للأحداث التي تمرّ بالأمة، خصوصاً في إطار الجماعة الصالحة التي تميّزت من بين جميع المذاهب الإسلامية بهذا الوعي العميق والأصيل للأحداث السياسية، والتزمت جانب المبادئ الإسلامية والأخلاق الثوريّة.

3. جانب الرؤية الإسلامية الصحيحة للحكم الإسلامي ومقوّماته، والقدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ في ممارسات هذا الحكم، مع القدرة على تمييز الخطوط الخضراء والحمراء التي يصحّ السكوت عنها رعاية للمصلحة الإسلامية، أو التي تشكّل تهديداً للإسلام، بحيث تفرض الثورة والتصدّي.

البعد الثالث: المحافظة على العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أفراد الجماعة الصالحة، ومن يتفاعل معها من المسلمين، ولكن ضمن الإطار الصحيح لهذه العلاقات المتمثّل بالأهداف والأخلاق الحسينيّة.

فقد أصبحت المجالس الحسينيّة مجالاً لتأكيد هذه العلاقات، وتمتين أواصر المحبّة والصلة بين أفراد الجماعة، وفرصة للتعبير عن روح التعاون والأخوة، ومضافاً إلى ذلك أصبحت هذه المجالس في الوقت نفسه فرصة للأنفاق والبذل والعطاء ورعاية الضعفاء والفقراء والتعرّف على أوضاعهم، حيث يشارك ويساهم في هذه المجالس أكبر مساحة من الجمهور المسلم وبمختلف مستوياته الاجتماعية والدينيّة.

وقد حفظ هذا البعد في التخطيط وحدة الجماعة الصالحة في حركتها الاجتماعيّة والإنسانية في مسيرة التأريخ بالرغم من المصاعب والمحن والآلام.

البعد الرابع: نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة التي كانت تواجه في بعض الأدوار التأريخيّة محاولات الحظر والإرهاب الفكري والجسدي، أو تواجه مشكلات عدم توافر الوسائل والإمكانات البشرية أو المادية لنشر هذه الثقافة.

فقد كانت ثقافة مدرسة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بمختلف أبعادها العقائديّة والأخلاقية والسلوكية والتأريخية ذات ميزات وخصائص ترتبط بالخصائص التي يتميّز بها الخط الأصيل للإسلام الذي انتهجه أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام). ولم تكن الفرصة مهيأة ـ بل كانت في بعض الأحيان محظورة ـ لنشر هذه الثقافة، كما إنّ المؤسسات الدينية، كالمدارس والمساجد والمراكز الثقافية الأخرى لم تكن متميّزة أو متوافرة، الأمر الذي كان يهدّد هذه الجماعة الصالحة بالذوبان أو الضياع أو الجهل والتعصّب الأعمى، فكانت المجالس الحسينيّة المدرسة الثقافية المتحركة التي تلبّي هذه الحاجات المختلفة.

فقد روى الكليني بطريق معتبر عن ميسر عن أبي جعفر(عليه الصلاة والسلام) انه قال: ((قال لي: أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم؟ فقلت: إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شئنا. فقال: أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، وأما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم، وأنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد))(45).

 

المجلس الحسيني الحق الناطق :

موضوع هذه الاجتماعات – المجالس الحسينية – تعتبر من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، كما ورد ذلك عن أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

فقد يفهم من بعض الروايات أنّ هذه الاجتماعات محبوبة لدى أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)بدرجة قد تكون قريبة من الوجوب بالنسبة إلى شيعتهم وأتباعهم، ومن هنا فلو أردنا أن نصنف الشعائر الحسينية التي نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى من ناحية، ونعبر بها عن حبّنا وودنا وارتباطنا بالإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأهل البيت من ناحية أُخرى، فلعلَّ هذه المجالس تأتي في مقدمة هذه الشعائر الحسينية.

فهذه الاجتماعات يتداول فيها المؤمنون ذكر أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من ناحية، وذكر الإسلام والمفاهيم والعقائد الإسلامية من ناحية أُخرى، كما يعبرون فيها عن ولاء وارتباط بعضهم بالبعض الآخر كجماعة مؤمنة وصالحة، لديها أهدافها الواضحة المشخصة من قبل أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

فقد يتصور البعض أنّ الشعائر الحسينية هي مجرّد تعبير عن العواطف والأحاسيس النبيلة، التي يشعر بها الإنسان المؤمن الموالي لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ويعبّر بها عن ولائه وحبّه لهم (عليهم الصلاة والسلام)، ويقف عند هذا الحدّ.

وهذا الشيء وإن كان محبوباً ومطلوباً ويثاب عليه الإنسان، ولكنه ليس الهدف الذي استهدفه أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من إيجاد هذه الشعائر، وإنما هناك هدف أسمى وأعظم وأكثر قبولاً من وراء هذه الشعائر والأحاسيس والمشاعر، تمثل الطاقة المحركة للإنسان باتجاه تلك الأهداف النبيلة التي وضعها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

وهذه الأهداف يمكن أن نخصّها بأهداف ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، حيث جعل أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) محوراً لهذه المجالس والشعائر والزيارات والبكاء والعواطف والأحاسيس.

وهذا التمحور حول الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) دون بقية الأئمة من قبل أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، إنما يعني إلفات نظر شيعتهم ومحبيهم ومواليهم إلى أهداف هذه الثورة ومضمونها وأخلاقها وعقائدها ومواقفها وسياساتها، إلى غير ذلك من التفاصيل التي تشتمل عليها ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

وهذه الأهداف والمضامين يمكن أن نصل إليها من خلال هذه الاجتماعات، وذلك عندما يتحدث المتحدثون، ويستمع المستمعون، ويتداولون مجمل المضامين والمفاهيم الإسلامية، بحيث تخرج هذه الجماعة – من خلال مسيرة شعائر الحسين (عليه الصلاة والسلام) – بنتائج تربوية وثقافية وروحية تجعل منها جماعة صالحة، وقدوة للمسلمين وللبشرية بشكل عام، كما أراد أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

 

المجلس الحسيني وأمر أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام) :

ينبغي أن نفهم أن إقامة المجالس الحسينية فيه إحياء لأمر أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وأنّهم ترحّموا على من يحيي أمرهم، وهذه مسألة بسيطة جداً، فكل شخص محبّ لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ويعرف الإسلام ومفاهيم الشريعة الإسلامية – ولو معرفة بسيطة – عندما تسأله ما هو أمر أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)؟ فإنّه يستطع الإجابة على هذا السؤال، بانّ الحسين (عليه الصلاة والسلام)الذي قدّم نفسه للقتل والشهادة هو وأصحابه وأهل بيته الصغار والكبار، وعرّض عيالاته للآلام، فلأي شيء ولأي هدف؟

فهل الهدف هو أن نبكي أو نلطم ونأكل في المجالس؟ أو لكي يحصل الخطيب الفلاني على المبلغ الفلاني؟ أو الجماعة الفلانية يأكلون الأكل الفلاني؟ أو ينيرون الضياء الفلاني؟ أو يعمّرون الحسينية الفلانية؟ أو أن هناك هدفاً آخر؟

نعم، هناك هدف آخر وهو: إحياء الإسلام وترسيخ دعائمه، وحثّ الناس على التقوى والورع والالتزام بالشريعة الإسلامية، ومواجهة الظالمين، ومقاومة الظلم والطغيان، وغير ذلك من الأشياء التي أعلنها الحسين (عليه الصلاة والسلام) في حركته، وهي واضحة من خلال تحرّكه، ومن خلال تأكيدات الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام)، وهذا هو أمرهم، فنحن بهذه المجالس نبكي من أجل أن نحيي أمرهم.

فزين العابدين (عليه الصلاة والسلام) عندما كان يمرّ بأسواق المدينة ويجد قصّاباً قد أخذ خروفاً للذبح، فيوقف هذا القصّاب في وسط السوق ويقول له: هل سقيت هذا الخروف ماءً؟ فيقول له: نعم سقيته الماء. فيبكي زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) في وسط السوق وأمام الناس، ثم يقول: إنَّ أبي الحسين (عليه الصلاة والسلام) ذُبح ولم يُسق الماء.

فالإمام السجّاد لايريد بذلك أن يبكي وتبكي فقط، بل يريد بيان مظلومية الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)، الذي رفع راية الإسلام، وأراد تطبيّق أحكامه، هذا الإنسان ـ الذي وقف في مقابل يزيد ومظلوميته ـ ذبح بهذه الطريقة.

إذن، فهو يبكي من أجل إحياء أمر الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ومن أجل تنبيه الناس إلى طغيان بني أُميَّة وظلمهم وجرائمهم، وابتعادهم عن الإسلام وشعائره.

وهكذا نحن نبكي، ولكن نبكي من أجل إحياء أمرهم، ونحزن من أجل إحياء أمرهم، ونبذل الطعام وندعو الناس له من أجل إحياء أمرهم.

إذن، فهذه كلّها أساليب ومظاهر هناك هدف من ورائها، وذاك الهدف هو الذي يمثل أمر الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام)، ولذلك يجب أن نحتفظ بالمضمون والهدف، وأمّا أن ننسى المضمون والهدف وننسى إحياء أمرهم، ونتصوّر القضية من أوّلها لآخرها فقط وفقط هو الأسلوب، فهذا غفلة عن الهدف الذي وضعه الحسين (عليه الصلاة والسلام) أمام عينه، وأراده الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام) من هذا الأسلوب.

فالأصل في الشعائر الحسينية هو ذلك الهدف والمضمون، وما تلك الأمور إلا أساليب توصلنا إلى ذلك المضمون.

طبعاً نحن لا نتخلّى عن هذا الأُسلوب، ولا عن ضرورة التمسّك به، أي: من الضروري التمسّك بإطعام الطعام في الشعائر الحسينية، وقراءة أشعار الحزن، وذكر مصيبة الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ولكن يجب أن يكون لهذا البكاء هدف، وهذا الشعر الذي نقرأه على الحسين (عليه الصلاة والسلام) يجب أن يكون له مضمون وهدف، وهذا الجلوس يجب أن يكون له هدف، وإطعام الطعام يجب أن يكون له هدف.

وأما أن نطعم الطعام ونغفل عن الصلاة التي ينادي لها الحسين (عليه الصلاة والسلام)، أو نغفل عن المخالفات أو عن بعض القضايا غير المناسبة التي لا تتناسب مع الآداب العامّة، فهذا لا ينبغي صدوره لمن يريد أن يتعبّد الله سبحانه وتعالى بهذه الأعمال، ويحيي أمر الأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام)وأمر الحسين (عليه الصلاة والسلام).

 

الشعائر المبتكرة :

القسم الثاني: وهي الشعائر الحسينيّة التي لم يرد نصّ فيها عن أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)لا على مستوى القول أو الفعل أو الإقرار بل تمّ ابتكارها واختراعها من قبل أتباعهم، مثل: المواكب الحسينيّة، وشعائر تشبيه وتمثيل مشاهد المأساة التي جرت على الحسين(عليه الصلاة والسلام)، أو المسيرات الشعبية، وغيرها من الشعائر التي يمارسها المسلمون من أتباع أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)في الأدوار المختلفة، أو التي يمكن أن يتمّ اختراعها في المستقبل.

والحديث في هذا القسم يقع في نقطتين:

الأولى: المبرّرات الشرعية لأداء مثل هذه الشعائر، ولعلّ أفضل المبرّرات لذلك هو أنّ أيّ ممارسة أو أداء يمكن أن يكون تعبيراً عرفياً عن تعظيم الحسين أو إظهار الحزن عليه، خصوصاً إذا كان الأسلوب والممارسة متداولاً في زمن الأئمة(عليهم الصلاة والسلام)، أو كان تذكيراً عرفياً للمسلمين بمصابه وأهدافه فهو أمر مشروع تصدق عليه القاعدة القرآنية، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ فإنّها مِنْ تَقْوى القُلوب}(46) ذلك أنّ الحسين(عليه الصلاة والسلام)(ثار الله) شعيرة من شعائر الله تعالى، وتعظيمه تعظيم لشعائر الله تعالى، كما أنّه وردت نصوص عامة تدعو إلى إظهار الحزن على الحسين(عليه الصلاة والسلام) والتظلم له في أيام عاشوراء.

الثانية: الحدود والأُطر الذي لابدّ أن تمارس فيه هذه الشعائر بحيث تكون مصداقاً للقاعدة القرآنية التي أشرنا إليها.

فهذا النوع من الشعائر يختلف عن النوع الأول، فالنوع الأول نمارسه بعنوان أنّ شكله الخاص له نصٌّ، وبالتالي فهو يمثل عبادة يتعبّد فيها الإنسان لله عزّ وجلّ، وهو خط ثابت لا يتغير.

أمّا النوع الثاني فيمكن أن يتغير حسب مقتضيات الظروف والأوضاع والأهداف التي يراد منها خدمة شعائر أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

فقد نجد في منطقة ما أُسلوباً يؤثّر فيها، وفي منطقة أُخرى نجد أُسلوباً آخر أكثر تأثيراً.

وقد يكون في يوم من الأيام للمواكب أو التشبيه الذي يجري على الطريقة القديمة أثر كبير، وفي يوم آخر نجد التأثير لطريقة أُخرى، كإيجاد فلم سينمائي أو إصدار مجلة تتحدث عن ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) بمختلف اللغات، وغير ذلك من الأساليب التي يمكن أن يبتكرها الإنسان المؤمن الحريص على الحسين وعلى ثورة الحسين (عليه الصلاة والسلام).

فهذه القضية متروكة إلى عقول الناس وفهمهم وإدراكهم لما هو الأفضل والأصلح في خدمة شعائر الحسين (عليه الصلاة والسلام). فيمكنهم الاجتهاد في ما يرون فيه المصلحة، لكنّ مثل هذه الأُمور لا بدّ أن يتم فيها الاجتهاد تحت نظر الفقهاء والعلماء، والذين يعرفون أهداف الحسين (عليه الصلاة والسلام) ومضمون ثورته؛ ليكون هذا العمل مقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى. أمّا أن يخترع شيئاً وربما يكون مبعداً لوجود فيه انعكاسات منفّرة للناس عن الحسين (عليه الصلاة والسلام) وفيه مضرّة على حركة الحسين (عليه الصلاة والسلام) فهذا يدخل تحت عنوان البدعة، ويترتب عليه إثم كبير بدل الاستحباب.

ولذا يفترض بالإنسان حينما يبتكر شعيرة يبتكرها تحت إشراف فقيه أو عالم يعرف الفقه والحكم الشرعي، ويعرف أهداف الإسلام ومفاهيمة لئلا يقع مثل هذا العمل – والعياذ بالله – في الخطر.

وهذا لا يأتي في القسم الأول من الشعائر؛ لأننا يصحّ أن نمارسه في جميع الأحوال؛ لأنه ورد النصّ على شكله ومضمونه معاً عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وهو يمثل خطاً ثابتاً في هذه الشعائر.

إذن، في القسم الثاني من الشعائر لابدّ أن يكون في مشروعيّته مشتملاً على المضمون والمحتوى الذي وضعه الله تعالى لها، وهو أن تكون تعظيماً لشعائر الله، وإلاّ فمجرّد أن يدّعي الإنسان أنـّه يؤدّي هذا العمل من أجل الحسين فهذا لايكفي ما لم يكن الشكل يعبّر عن أسلوب عرفي عقلائي للتعظيم، بل يجب أن يكون في الوقت نفسه مرتبطاً بالمحتوى والمضمون الشرعي لنهضة الحسين (عليه الصلاة والسلام) الذي شرحناه سابقاً.

ويمكن أن يوضع هذا المضمون في خطّين أساسيين:

أحدهما: الخط الإيجابي: وهو الأهداف التي وضعت للشعائر الحسينيّة، وهي النقاط التي سنذكرها فيما بعد. وبمقدار ما تحققه هذه الشعائر من تلك الأهداف تصبح هذه الممارسات تعظيماً لشعائر الله تعالى.

ثانيهما: الخط السلبي: وهو أن لا تكون هذه الممارسات سبباً لهتك حرمة الإسلام، أو مذهب أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)، أو تشويه الرؤية له، كأن تكون ذات شكل لا ينسجم مع الأهداف الحقيقيّة لأهل البيت(عليهم الصلاة والسلام). حيث يمكن أن نشاهد ذلك في بعض الممارسات التي لا نجد لها مثيلاً في أي لون من ألوان العبادات والسلوك الذي أقرّه الشارع المقدّس في مقام التعبير عن الارتباط بالله تعالى والحب له، أو التعظيم والتمجيد لذاته المقدّسة، أو عرفها العقلاء من الناس في حياتهم الاجتماعية.

وكذلك الممارسات التي يتنفّر منها الوجدان الصافي والذوق الإنساني السليم، أو التي لا يوجد لها تفسيراً منطقياً ينسجم مع العقل والفطرة الإنسانية السليمة، بل هي تعبّر عن انفعالات صاخبة، وعواطف هوجاء، وتصوّرات لا تستند إلى أيّ مستند شرعي، إذ لا يوجد لها أيّ نظير في الممارسات الشرعية، ولذلك تمارس في الأوساط التي تتسم بالسذاجة وقلّة المعرفة بالثقافة الإسلامية، ولا يمارسها الفقهاء أو العلماء الربانيون.

أهمية الشعائر الحسينية :

إن التمسّك بهذه المظاهر ـ الشعائر الحسينية ـ واجب على كل الجماهير التي تعيش هذه القضية في ضميرها، حتى على أُولئِك الذين لا يلتزمون بالإسلام التزاماً كاملاً، بل تعيش في نفوس كثير من الناس الذين لا يؤمنون بالإسلام أبداً، فضلاً عن إيمانهم بأئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام); لأنها قضية تنسجم مع ضمير الإنسان وواقعه، ومن هنا لا بد أن نؤكد أهمية هذه الشعائر بالأمور التالية:

 

مركزيَّة الشعائر الحسينية :

أولاً: عندما ننظر إلى زمان ما بعد الغيبة نجد أنّ قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) وشعائره(عليه الصلاة والسلام) أصبحت قضية مركزية تعيش في ضمير الإنسان المسلم الواعي، كما أنها القضية التي كانت محوراً أساسياً لتحرّك علمائنا ورجالنا وقادتنا.

فالشيخ الطوسي (قدّس سرّه) لم ينتقل من بغداد إلى النجف، ويؤسس حوزة النجف الأشرف إلاّ بسبب هذه القضية المركزية، وفي تاريخنا المعاصر نعلم أنّ أعداء الإسلام الذين يريدون الكيد للإسلام كانوا يستهدفون هذه القضية بالذات، وأول شيء يريدون القضاء عليه هو قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام)، وشعائر الحسين (عليه الصلاة والسلام)؛ لأنهم يدركون مدى تأثيرها على ضمير المسلم، وكيف يمكن أن تهزّه وتدفعه باتجاه أهداف الحسين (عليه الصلاة والسلام) وباتجاه بعدين رئيسيين هما: بُعد العقيدة الإسلامية، والبُعد الإنساني المتمثِّل برفض الذلّ والظلم.

إنّ أوّل ما صنعه (رضا شاه) في إيران هو التوجه إلى قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) وإلغاء الشعائر الحسينية، وتطويقها والمحاسبة عليها؛ لأنه يشعر بمدى تأثيرها على الشعب الإيراني، وفي العراق عمل الاستعمار في العهد الملكي وبعده للقضاء على هذه الشعائر، ووجهوا سهامهم لها، وما ذلك إلاّ لأنّ هؤلاء العملاء يشعرون – بتوجيه من أسيادهم – بأهمية هذه القضية ومركزيّتها، وقد تمسك شعبنا المسلم في العراق بهذه القضية، وقدّم مختلف التضحيات من أجل مواصلة مسيرتها، وهذا يعني أنها تعيش في ضمير الإنسان المسلم السائر على خط أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) ولا يمكن أن يحصل مثل هذا التأثير في ضمير المسلم إلاّ إذا كان وراءه قوّة إلهية ومشروعية إسلامية تفرض هذه القضية في كلِّ عصر وزمان.

الشعائر الحسينية وتعبئة الجماهير :

ثانياً: إن لثورة الحسين وشعائر الحسين دورا كبيرا في تعبئة الأمة؛ وذلك حينما يتم ذكر مضمون الثورة الحسينية، ومقارنته مع الأوضاع السياسية التي يعيشها الناس.

فالخطيب الناجح والمخلص للثورة الحسينية، وكل من يمارس شعائرها، يجب عليه ربط الحاضر بالماضي، والأوضاع السياسية المعاشة فعلا بالأوضاع السياسية التي كان يعيشها الحسين(عليه الصلاة والسلام)، ربطاً إسلامياً حقيقياً.

وأما إذا ابتعد وجعل القضية وكأنها قضية تاريخية معلقة بين الأرض والسماء لاعلاقة لها بحاضر الأمة، وكأنها قصة من القصص التي تروى، فحينئذ يبتعد عن قضية الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام).

فالقضية نسبية، فبمقدار ما يقترب من الواقع ويشد الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ويربط هذا الواقع ربطاً إسلامياً، ويوجهه توجيهاً إسلامياً، فهذا خطيب موجه. ونفس الأمر يأتي على الهيئة الحسينية، فيفترض أن تهتم بمسألة الربط من جهة تهيئة الأجواء لذلك؛ لان أعداء الإسلام كانت لهم محاولتان لضرب الشعائر الحسينية:

الأولى: محاولة إفراغ الشعائر من داخلها، وجعلها مجرد ممارسات شكلية، وهذه المحاولة قام بها المستعمرون عندما دخلوا العراق.

الثانية: محاولة ضرب هذه الشعائر، وجعل الناس ينسونها، وهذا ما قام بها ——- وأشباهم في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.

ففي المقابل يجب علينا الانتباه لهذا الموضوع، ونجعل هذه الشعائر تؤدي دورها الحقيقي، ونربط الحاضر بالماضي، وبالتالي يمكن أن نخدم الحسين خدمة حقيقية.

 

دور الشعائر الإلهيَّة في طهارة القلب :

ثالثاً: مرض القلب من الأمراض الخطيرة التي يبتلي بها الإنسان، وذلك حينما يضعف ويدخل الشيطان إليه ويستحكم، وقد أشار القرآن الكريم إلى كيفية علاجه، وذلك من خلال مجموعة من الأساليب:

 

الدعاء :

الأسلوب الأول: حينما يدعو الإنسان الله سبحانه وتعالى، ويعبر عن حاجته إليه، وطلب المغفرة والرحمة منه، والإقرار بذنوبه أمامه يكون إنساناً سليم القلب، يمكنه توجيهه بصورة سليمة.

تقوى الله عزّ وجلّ :

الأسلوب الثاني: التقوى والورع عن محارم الله، والالتزام بالواجبات الإلهية، فالإنسان كلّما يمارس عبادة من العبادات، وكلما يتجنّب محرماً من المحرّمات أو يقوم بواجب من الواجبات فهو يربي قلبه ويطهّره؛ لأنّ القلب الطاهر النظيف عبارة عن مجموعة من المشاعر الخيّرة التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيه، وهذه المشاعر حالها حال جسم الإنسان، فكما أنّ الجسم عندما يمرّنه الإنسان بالتمارين الرياضية، ويغذّيه بالمواد المنسجمة معه يصبح جسما قويا، كذلك المشاعر إن غذاها الإنسان بما ينسجم معها، ومرّنها على بعض الأعمال تصبح أكثر استحكاماً وأصالةً في قلب الإنسان، وأكثر قدرةً على القيام بواجباتها، فالإنسان حين يتعاطف مع الفقراء والضعفاء والجرحى وعوائل الشهداء فهذه الأعمال تؤدي إلى طهارة قلبه وسلامته ونظافته; لأنَّه يتجاوب بهذه الأعمال مع تلك المشاعر الخيّرة الموجودة في قلبه، ومن خلال هذا التجاوب يغذّي هذه المشاعر وينمّيها ويربّيها، وبالتدريج يصبح قلبه قلباً طاهراً قوياً قادراً على هذه المواجهة، فتقوى القلب التي يذكرها القرآن الكريم، هي: تلك الحالة من الانسجام مع ما أودع الله سبحانه وتعالى في نفس الإنسان من مشاعر الخير والصلاح.

تعظيم شعائر الله :

الأسلوب الثالث: ولعلّ هذا الأسلوب من أهم الأساليب لعلاج القلب وهو أساس بحثنا، فالله سبحانه وتعالى جعل له مراسيم وشعائر معينة، تشير إليه، وترتبط به، وقد جعل القرآن الكريم تعظيم هذه الشعائر من أسباب صحة القلب وسلامته، كما ورد في الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}(47) فالقرآن الكريم يربط حالة تقوى القلب – التي هي الأساس في طهارة القلب وسلامته – بتعظيم الشعائر، وقد وردت الآية في الحجّ باعتباره أحد الشعائر الإسلامية الرئيسية، كتعليق بعد أن يشرح منهج الحج وأعماله، وهذه قاعدة يعطيها القرآن الكريم، ولا يقصد الحجّ وحده، وإنَّما يذكرها كقضية عامة، وهي تنسحب على كل شعيرة إسلامية، وينطبق الحال على الشعائر الحسينية باعتبارها شعائر إسلامية كما تقدم(48).

الشعائر الحسينية في نظرية أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) :

رابعاً: نفس اهتمام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بهذه الشعائر كافي لبيان أهميتها، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو موقع الشعائر الحسينية في نظرية أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)؟ وما هو سبب الاهتمام البالغ من الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وأتباعهم بإقامتها؟ وهل إنّ اهتمام الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وأتباعهم بها، وتحمّلهم للأذى في سبل إقامتها هو لمجرد قضية عاطفية لمشاعر يحسون بها، فيتحملون كلّ هذا الأذى والعناء للتعبير عن إحساساتهم وعواطفهم، و تقف عند هذا الحدّ؟ وهل تستحق قضية الإحساسات والعواطف أن يتحمل الإنسان التهجير والتشريد والمطاردة والمضايقة والسجن والإعدام أحياناً؟ فقد وجدنا في تاريخنا نماذج كثيرة لكلّ هذه العناوين، تحملها أتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

إنّ هذا الموضوع يحتاج إلى بحث واسع لايسعه المقام إذا أردنا تناوله بكلّ جوانبه، وقمنا بتصور تفصيلي يقوم على أُسس عقائدية وفكرية حوله، لذا سنكتفي هنا بالإشارة.

 

أثر الثورة الحسينية :

خامساً: لا شك أنّ لثورة الحسين (عليه الصلاة والسلام) باعتراف المسلمين تأثيرا كبيرا في تاريخهم وحياتهم، وفي حفظ الإسلام حتى يومنا الحاضر، سواء كان المسلمون يمارسون هذه الشعائر أم لايعترفون بهذه الحقيقة أم لا، فتفاعلات هذه الثورة واثر الدماء الطاهرة الزكية التي أُريقت في يوم العاشر من محرم في أرض كربلاء، بقيت مؤثرة ليومنا هذا.

وهذا الأمر واضح في تفاعل جمهور المسلمين معها بعد مقتل الحسين (عليه الصلاة والسلام) فأخذت الحركات الثورية السياسية تنتشر في العالم الإسلامي وتهدد دولة بني أُمية حتى سقطت.

فقد استفيد إلى حدٍّ كبير في حركتهم ضد بني أُميّة من ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

وبقيت الثورة الحسينية (عليه الصلاة والسلام) في تاريخ المسلمين حديثاً واسعاً.

وكلامنا هنا في الشعائر لا في نفس الثورة، وعليه أن نعرف أهداف هذه الشعائر المباركة.

أهداف الشعائر الحسينية :

بعد استعراض طبيعة الشعائر الحسينية وفهمها، ينبثق السؤال التالي: ما هي الأهداف الأساسية التي استهدفها الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) من وراء الشعائر الحسينية؟

إن معرفة الأهداف قضية مهمّة جداً لسببين رئيسيين:

السبب الأول: يرتبط بالقسم الأول من الشعائر الحسينية، وهو: أن تؤدى تلك الشعائر بالشكل الذي نصل به إلى تلك الأهداف التي استهدفها الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، ولا نخرج منها إلى هدف آخر بمنهج آخر.

السبب الثاني: يرتبط بالقسم الثاني من الشعائر الحسينية التي نريد ابتكارها لتكون مؤثرة في الناس، فينبغي علينا فهم الأهداف حتى يكون الابتكار متجانساً معها.

ويمكن تلخيص مجمل الأهداف التي استهدفها الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) من الشعائر الحسينية بعدة أُمور، وإذا أردنا أخذ كلّ واحد من هذه الأُمور سوف نجد فيه مفردات كثيرة، وبالتالي تصبح الأهداف كثيرة أيضاً، ولكنْ أُلخّصها هنا، بالأهداف التالية:

الهدف الأول: التكامل العاطفي: أراد الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) من الشعائر الحسينية أن يجعلوا شيعتهم ومحبيهم والمسلمين بشكل أعم مرتبطين عاطفياً وروحياً ونفسياً ومشاعرياً وحسياً بالحسين وبأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام). فقضية الارتباط الروحي، قضية مهمة جداً.

والعاطفة لا تمثل كما يتصور البعض حالة ضعف أو انحراف أو تسافل في الإنسان، وإنما هي قضية مهمّة في تكامل شخصيته، فكما يكون الإنسان على درجة عالية من الكمال والأخلاق العالية تكون عواطفه كذلك أيضاً.

فالنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي يمثل أكمل إنسان كانت عاطفته على درجة عالية جدّاً.

وبعض الناس في المجالس الحسينية يمرّ على هذا الموضوع مروراً عابراً، لكنه عندما يتأمل بفهم معنى: إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) في الرواية الشريفة (صلّى الله عليه وآله)كان جالساً يخطب في المسلمين، ودخل الحسين (عليه الصلاة والسلام) من باب المسجد وكان طفلا صغيرا فتعثر وسقط، فنزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من منبره وضمه إلى صدره(49). وما ذلك إلا لأنه كان على درجة عالية من التكامل العاطفي، فهو يحس بمعنى طفل تعرّض للأذى.

فالتكامل العاطفي يمثل درجة من درجات تكامل الإنسان، ولذلك قال القرآن: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(50).

وذلك يعني: إنّ قضية اللين والرقة والعاطفة من القضايا المهمة جداً في حياة الإنسان، ولذلك فقاسي القلب يكون بعيداً عن الله سبحانه، وأشدُّ ما يبتلى به الإنسان من مرض هو قسوة القلب، وهو الباب الأول للطغيان، فالإنسان أحياناً يطغى على ابنه أو زوجته أو على زميله في العمل، والباب الأول لذلك هو قسوة القلب.

ولذلك اهتم أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) بالجانب العاطفي، والبكاء يدخل إلى حدٍّ كبير في هذا الجانب من تربية الإنسان على الرقة والعاطفة، وجعل قلبه ليّناً يستقبل الهدى.

وهناك أهميّة أُخرى للقضية العاطفية لها تأثير في حركة الإنسان الاجتماعية لا الذاتية الشخصية، فنحن قد نستغرب أنّ أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) ـ مع ما تعرضوا لـه من مظلومية من قبل الطغاة والمجرمين وعلماء السوء في كلّ أنحاء الأرض، وفي كلِّ عصر وزمان(51)ـ تمكنوا كسب محبوبية بين المسلمين جميعاً، فكيف حدث ذاك؟

حدث ذلك من خلال المنهج الذي اتبعه أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من اهتمامهم بعواطف الناس وأحاسيسهم.

فمن الشعائر الحسينية ومن قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) تمكن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) أن يدخلوا إلى قلب كلِّ مسلم إلاّ قساة القلوب منهم، وأُولئك قد يكونون خارجين عن الإسلام ومنحرفين، أو أصحاب مصالح ومنافع، أمّا عامة جمهور المسلمين فنسبة 99% منهم يحبون أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) سواء من تمذهب بمذهبهم أم من لم يمتذهب، وذلك لأن هناك اهتماماً في قضية العاطفة.

الهدف الثاني: تربية الإنسان المسلم على الثقافة الإسلامية، من التربية على العقائد الإسلامية، والأخلاق الإسلامية، والأحكام الإسلامية.

فالعقيدة قضية مهمة جداً تمثل الأساس، وبعدها تأتي الأخلاق الإسلامية التي تمثل الأساس في تكوين شخصية الإنسان، وبعدها تأتي الأحكام الشرعية; لأنها متفرعة عن الأخلاق، وهي عبارة عن حدود وصيغ للأخلاق.

وهنا نجد أنّ الشعائر الحسينية كانت مدرسة مؤثرة في تربية المسلمين وشيعة أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام) بشكل خاص على الثقافة الإسلامية.

وبحسب تحليلي لحركة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام):إنّ الشعائر الحسينية كان لها دور كبير جداً في أمرين مهمين:

الأول: حفظ الإسلام.

الثاني: بناء القاعدة الإسلامية المتمثلة بالكتلة الصالحة، وهي: كتلة أتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

حيث إنّ أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)كان لهم منهج في بناء الكتلة الصالحة، وهذا المنهج ذو خطوط كثيرة.

ومن أهم هذه الخطوط: بناء الحوزات والمدارس العلمية، وتأسيس المرجعية الدينية، وهذا منهج خاص شرّع من أيام الإمام الباقر (عليه الصلاة والسلام) واستمر إلى يومنا الحاضر، وكان له دور في حفظ الكتلة الصالحة لأتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

ومن هذه الخطوط أيضاً قضية الشعائر الحسينية، حيث اوجدوا مدرسة سيارة تتحرك في كلّ مناسبة وفي كل قضية، فالطلاب في المدرسة مثلاً بشكل عفوي وطوعي يجتمعون وينصتون ويستمعون إلى الخطيب بأدب واحترام وإنصات واستماع مهما كان رأيهم فيه; لأنهم يحترمون الحسين وشعائره (عليه الصلاة والسلام).

بخلاف بقيت موارد المعرفة فأي مدرسة أو جامعة في كل العالم مهما كان هناك نظام قاس يحكمها يوجد فيها نوع من الخروج عن الأدب الطوعي واحترام المدرس(52).

لقد لاحظت في بعض البلدان اهتمام الناس بالمنبر الحسيني، فأكثرهم يحضرون للاستماع إلى الخطيب، ويسجلون – أحيانا- بعض كلماته، وبعض الملاحظات ليسألوه إذا كان في حديثه إبهام وشك، أو يطلبون منه مزيداً من التوضيح؛ لأنهم يشعرون أنّ الإنسان حين يأتي إلى هذه المدرسة جاء ليستفيد منها ثقافة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في مختلف المجالات الأخلاقية والعقائدية والشرعية.

الهدف الثالث: الرؤية السياسية، وهو هدف أساسي، والهدف الأول والثاني يمثلان نتيجة له.

ينبغي لنا استلهام رؤيتنا السياسية من واقع قضية الحسين، فعندما تحدث أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)عن الحسين (عليه الصلاة والسلام)كانوا يقارنون بين الحسين والطواغيت الذين يحكمون في زمانهم، وكانوا يطلبون من شيعتهم أن يتأسوا به (عليه الصلاة والسلام).

أمّا أن نتحدث عن الحسين (عليه الصلاة والسلام)وقضيته وكأنها قضية عاطفية فقط، فهذا ما لا يحقق هدف الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) من الشعائر الحسينية؛ لان قضية الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)قضية متكاملة، كالصلاة التي فيها طهارة وقيام وركوع وسجود وقراءة قرآن، ولا تتكامل إلاّ بأداء أجزائها، فقضية الشعائر الحسينية قضية متكاملة أيضاً ومهمة، ومن أهم أدوارها: إنها تمثل الطاقة المحركة للإنسان.

والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) اهتموا بالعاطفة؛ لأنها الطاقة التي تحرك الإنسان، ولا يتمكن بدونها أن يثور ويقتحم ويصبر ويستشهد.

فالحسين (عليه الصلاة والسلام) قال لأصحابه: اذهبوا واتخذوا هذا الليل جملاً، فأنتم مأذون لكم في الانصراف. لكنّ حبّهم للحسين (عليه الصلاة والسلام)جعلهم يتمسكون به، غير متنازلين عنه، فمنهم من يقول: لو قتلوني وأحرقوني وقطعوني سبعين مرة لما عدلت عن القتال دونك(53)!

فالعاطفة كانت هي التي تحرك هؤلاء، وتجعلهم يقاتلون، وإلاّ فهم كانوا آيسين من الحياة، ويعلمون أنهم سيقتلون، فلماذا يتحملون الأتعاب ويتحملون ضرب النبال والسيوف والحجار؟

نعم، كانت العاطفة تحركهم.

فالعاطفة لها دور كبير جداً في حركة الإنسان. والثقافة تمثل القاعدة التي تستقر فيها العاطفة، وتسير بمنهج معين، والرؤية السياسية تشكل خط الإنسان في حركته في الأُمّة، أمّا الثقافة فتحرك الإنسان باتجاه تكامله الذاتي.

وحركة الأُمّة والمجتمع وتكامله لا تكون إلاّ من خلال الرؤية السياسية، ولذلك اهتم الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) بهذا الأمر.

وهناك حقيقة مهمة تحدّث عنها القرآن الكريم، وتحدّث عنها الشهيد الصدر(رض) في كتاباته، وهي: إننا لا نحشر يوم القيامة أفراداً، وإنما أُمماً وجماعات{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}(54) ونحاسب كمجتمع وكجماعة، ولذلك فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترتبط بحركة الجماعة، والرؤية السياسية هي التي تضع الخط للجماعة وللأُمّة.

ومن هنا فيترتب على ذلك إنّ الطغاة انتبهوا إلى أهمية دور الشعائر الحسينية في حياة المسلمين، ولذلك نجد أنّ الشعائر الحسينية في كلّ الأدوار كانت معرضاً للعدوان، كالمتوكل العباسي الذي كان يمثل القمة في العدوان، فكان يقطع الأيدي، والأرجل ويقتل الأنفس، ثم هدم حرم الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأغرقه; لكي يمحى أثره، إلى رضا خان إلى صدام اللعين والوهابيين وأمثالهم الذين جاءوا في أدوار مختلفة من التاريخ مستهدفين الشعائر الحسينية.

فلو كانت الشعائر الحسينية لا تحمل مضموناً ثقافياً وسياسياً لما تعرضت لهذا المقدار من العدوان، ولتركت كما تركت الصوفية التي تقيم شعائر معينة، فهم يجلسون في مكان ما ويؤدون طقوسهم المعينة.

وهذا المضمون الذي تحمله الشعائر الحسينية هو الذي جعل شيعة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)دائماً هم الأوعى والأفهم والأعرف بالقضايا. ووجدنا كيف أنّ هذه الشعائر كان لها تأثير عظيم في انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وفي حركة الشعب العراقي في هذا العصر، فصحيح أنّ هناك قادة من العلماء والمراجع ساهموا في هذه الحركة، ولكنّ الشعائر الحسينية كان لها الدور الأعظم.

فلا يمكن نسيان انتفاضة التاسع من محرم عام 1969م في النجف الأشرف التي كانت أول انتفاضة في وجه ——- (55)، ولا انتفاضة العشرين من صفر عام 1977.

فالشعائر الحسينية لها هذا المضمون، ولذلك هي تواجه هذا النوع من المطاردة والعدوان والملاحقة والاتهام والتشويش، والأساليب المختلفة التي يستخدمها أعداؤنا لضربها.

فالبكاء ومظاهر الحزن من لبس السواد وظهور الفرد أشعث أغبر كما ورد في روايات الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، والزيارة، والمجالس الحسينية كلها قضايا يجب أن نتفانى فيها؛ لأنّها تمثل ركناً أساسياً في حركتنا ووجودنا، وجزى الله القائمين على مثل هذه المجالس وعلى الحسينيات والشعائر الحسينية خير الجزاء.

 

نتيجة :

وبذلك أُريدُ أن أنتهي إلى نتيجة مهمة، وهي: إن التأكيد على الجانب المأساوي والتضحوي والأخلاقي لحركة الحسين (عليه الصلاة والسلام)، إنما عبارة عن محاولة لإحياء الجانب الوجداني في مشاعر الأُمّة، وكلّما كان التركيز على هذا الجانب أكثر كانت الأُمّة قادرة على أن تتحرك بشكل أفضل.

الهدف الرابع: نشر الثقافة والوعي الإسلاميين في مختلف أبعادهما الإسلامية في معرفة الإسلام والتفقه فيه ورفع درجة الإحساس والشعور في النفس الإنسانية، وإيقاظ الوجدان والضمير.

 

مظلومية الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام) :

إنّ الشعائر الحسينية إنما وضعت وصممت من أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وأصبحت مدرسة في جانب من جوانبها وكتاباً يقرأ ونهجاً يتبع… وأصبحت عاملاً محركاً للأمة تجاه الأهداف الصحيحة، على أساس الحديث عن المظلومية، فاقترنت هذه الشعائر بالحزن والبكاء والتعبير عن الجزع، كما ورد ذلك في روايات أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).. الجزع حرام في الإسلام إلاّ على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)(56).

وما ذلك إلا للتعبير عن مظلومية الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) الذي لـه من القدسية شيء عظيم، فهو من صلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابن علي وفاطمة (عليها السلام) وخامس أهل الكساء، وثالث إمام من أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وسيد شباب أهل الجنة، وفيه الكثير من جوانب القدسية، وهي جوانب مهمة جدّاً، ومحترمة في مقام التعبير عن المظلومية.

ولكننا نجد أنّ أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) عندما أسسوا الشعائر الحسينية أرادوا أن يكون الحديث عن مظلومية مضامين الثورة الحسينية، أي الحديث عن المظلومية التي جرت على الإسلام وعلى الأُمة وعلى الحقوق والحرمات، فتعدى فيها الحاكم ـ يزيد ـ بطغيانه واستبداده كل الحدود، فقد ورد عن الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) أنّ الإمام عليّا ً(عليه الصلاة والسلام) هو أفضل الأئمة، ومع ذلك لم تؤسس هذه المؤسسات والشعائر كما أسست في ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) مع قدسية الإمام علي والإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، وهكذا بقية أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) الذين تمرّ علينا ذكرياتهم، فنحييها ونحيي تاريخهم، ونتحدث عن مآثرهم وحياتهم، ونحيي أمرهم ـ كما أشاروا إلى ذلك ـ في إطار الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) والشعائر الحسينية.

وذلك لأن قضية الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام) جسدت في مضمونها هذه الأبعاد دفعة واحدة وفي فترة زمنية قصيرة، وجسّدت أيضاً المظلومية العالية لهذه الأبعاد. فكأنّ هذه المظلوميات اجتمعت في قضية واحدة، فكانت قضية الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

إذن، فالحديث عن هذه المضامين في ظل المظلومية يجعل المظلومية وسيلة وأداة للتعبير عن هذه المضامين، ومعنى هذا إننا لا نتنازل عن شعائر المظلومية، كالحزن والبكاء وفق حدودها الشرعية التي وردت عن أئمتنا (عليهم الصلاة والسلام) وهذه قضية مهمة جداً(52).

الهدف الخامس: ترسيخ علاقات الإخوة والمودة والتعاون بين المؤمنين، والاهتمام بأمورهم والنصيحة لهم وإعانة فقرائهم وضعفائهم، وإيجاد المزيد من التكافل بينهم وإظهارهم بمظهر القوة والمنعة والوحدة.

إنّ المؤمنين بحاجة إلى أن يجسّدوا في هذه الشعائر المجال الذي يعبّرون فيه عن ولاء ومحبة بعضهم البعض في إطار الله سبحانه وتعالى وفي إطار الأئمة(عليهم الصلاة والسلام)وحبهم، وحبّ العلماء والمراجع والمرجعية والمنبر الحسيني والمجالس الحسينية.

فنحن نحتاج أن نعبّر عن مودتنا وارتباطنا وتعاوننا ومحبتنا وتناصرنا فيما بيننا.

ولذلك أنا أدعو جميع الإخوة المؤمنين، أن يهتموا بهذا الجانب في موضوع المجالس الحسينية، حتى تصبح هذه المجالس تعبّر واقعاً عن وحدتنا في حبّ الله تعالى والإسلام والرسالة الإسلامية والمضامين الحسينية، وفي حبّ علمائنا ومنبر الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام)والشعائر الحسينية، وهي فرصة للتعبير عن توثيق الروابط والعلاقات والتعاون على البر والتقوى وتفقد الفئات المستضعفة من الناس، كعوائل الشهداء والمفقودين والمعتقلين والمحرومين والفقراء، وكذلك فئات العاجزين من كبار السن والمعوقين والمضحين… وغيرها من الفئات التي أُصيبت بالاستضعاف(58).

كما يفترض الاهتمام بالنساء أيضاً، فلا نجعلهن بعيدات عن مضمون الثورة الحسينية والثقافة الحسينية والمعاني التي أخذناها من هذه الثورة.

 

تنبيهات مهمة :

أُريد التنبيه على عدة نقاط، ينبغي أن تؤخذ هذه بعين الاعتبار، كي نكون مثلاً صالحاً لأتباع أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، والنقاط هي:

 

احترام الشعائر :

النقطة الأُولى: يجب احترام الشعائر الحسينية؛ وذلك بالالتزام بالآداب العامة الموجودة فيها، يبحث لا تختلط هذه الشعائر ببعض المنافيات للآداب، أو الضجيج أو الضوضاء، فعلينا عكس هذه الشعائر بالشكل اللائق بها؛ لأننا نعتقد بالشعائر الحسينية، وفي الوقت نفسه نعتقد بأنّ الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام)هو إمام للمسلمين جميعاً.

فالمسلمون بصورة عامة وبمختلف مذاهبهم يؤمنون ويحترمون الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام)ويوالونه، لذلك نحن نعتقد أنّ الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)هو لجميع المسلمين، وليس فقط للمؤمنين بإمامته، والمطيعين له والسائرون ـ إن شاء الله ـ على منهجه. فعلينا أن نحرص على أدائها بالطريقة التي وصفها الشارع الأقدس، ونحافظ على هذا الأسلوب القيم، فعند المجلس مثلا علينا الاستماع إلى الخطيب، ولو لأجل الثواب المترتب على المجلس والبكاء على الحسين، ولا يصح منا ترك المجالس والانشغال بالحديث والكلام الخارج عن المقام.

وبذلك نعكس الشعائر الحسينية للعالم اجمع بشكلها اللائق.

نعم، الشعائر الحسينية قد يختلف فيها أصحاب المذاهب الإسلامية، فبعضهم قد لا يرون صحتها، ولم تثبت لديهم لسبب من الأسباب.

أمّا نحن فقد قبلناها وثبتت لدينا بالطريق الصحيح الذي نعتقد به، ولذلك نمارسها من أجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى والحصول على الأجر والثواب منه، مضافاً إلى ذلك المنافع والفوائد الموجودة فيها، كما هو الحال في الحج الذي أراد الله تعالى أن يتقرب له العبد من خلاله ومن خلال التجرّد من الدنيا، وفي الوقت نفسه {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}(59) كما عبر القرآن الكريم.

أمّا خطابنا لبقية المسلمين في كل مكان فهو خطاب تقريبي، فمن لا يقبل هذه الشعائر، ولم تثبت عنده، فليس من حقه أن يهينها أو يحتقرها أو يتنكر لها.

كما أننا نحترم المسلمين في عقائدهم وشعائرهم وعباداتهم التي ثبتت عندهم بطريقة ما ولم تثبت عندنا، فيجب أن يبادلونا ذلك; لأنه الطريق لوحدة المسلمين ولإيجاد العلاقة والمودة والتعاون بينهم والوقوف صفاً واحداً في مقابل أعدائهم من ناحية، والتعاون على بناء الأُمة والمجتمع الإسلامي من ناحية أُخرى.

فيجب أن يحترم بعضنا رأي البعض الآخر…

 

الاشتراك الجماهيري :

النقطة الثانية: يجب أن نهتم باشتراك الجماهير في هذه الشعائر، أي نهيئ الفرص لكي يحضر فيها مختلف الناس، فمجلس الحسين (عليه الصلاة والسلام)، لكل الأُمَّة الإسلامية، لأن الحسين (عليه الصلاة والسلام) لكل المسلمين، وبالتالي فهذا المجلس ينبغي أن يُعدّ إعداداً بحسب الإمكانات والقدرات ليستوعب

 

مضمون الثورة الحسينية :

النقطة الثالثة: ينبغي أن نهتم بمضمون الشعائر الحسينية اهتماماً حقيقيا ًحتى يمكن أن نخدم الحسين (عليه الصلاة والسلام)، بل نكون خدّاما له (عليه الصلاة والسلام)، فالشخص الذي يريد أن يفتخر بكونه خادما للحسين (عليه الصلاة والسلام) هو ذاك الإنسان الذي يخدم أهداف الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ومضمون ثورته (عليه الصلاة والسلام).

ومضمون ثورة الحسين (عليه الصلاة والسلام) يتمثّل بخصوصيّتين لهما شُعب كثيرة وهما:

الخصوصية الأولى: ما يكون ارتباطا بين الإنسان والله سبحانه تعالى.

الخصوصية الثانية: كرامة الإنسان وشرفه وعزّته، الذي يعبّر عن ارتباط الإنسان بما أراد له الله سبحانه وتعالى من كرامة وعزّة، أي: يعبّر عن بعد الحقيقة الإنسانية، وماهية هذا الإنسان وشخصيته، الحسين رفض الظلم والذل والخنوع والاستسلام، ونحن دائماً نسعى في اتجاه هذين البعدين.

 

أعداء الإسلام والشعائر الحسينية :

النقطة الرابعة: إنّ أعداء الإسلام منذ البداية يعادون الشعائر الحسينية؛ لأنهم يدركون دور هذه الشعائر في تاريخ الأُمَّة ومصيرها وأصالتها، وأفضل شاهد في تاريخنا المعاصر هو موقف ——- المجرمين تجاه هذه الشعائر.

فإذا أراد الإنسان أن ينظر إلى الشعائر الحسينية من الناحية المضمونية يجدها أكثر تقدمية – حسب الاصطلاحات السياسية – فالشعائر الحسينية هي ممارسة تنسجم تماماً مع أفضل الأساليب التي ابتكرها الإنسان من أجل التعبير عن آرائه وعواطفه ومشاعره، ولذلك فهي حية في كل زمان.

 إذن، فليس في الشعائر الحسينية أي شيء يتنافى مع أي مرحلة تقدمية من مراحل المجتمع.

ومع كل ذلك جاء أعداء الحسين وحاربوا هذه الشعائر محاربة شعواء؛ لأنَّهُم يرونها تؤصّل إسلام الإنسان وإنسانيته واستقلاله وكرامته، وهذه الأُمور لا تنسجم مع أهدافهم الخبيثة، التي يريدون بها مسخ شخصية الإنسان المسلم.

ومن هنا يجب علينا الانتباه إلى هذه الحقيقة، ونقف في وجه أعداء الإسلام؛ وهم لهم أشكال واتجاهات سياسية مختلفة، وهؤلاء يرفضون الشعائر؛ لأنهم يحقدون على الإسلام.

فيجب أن ننتبه لمثل هؤلاء الناس، فبعض العلمانيين وأصحاب الاتجاهات الغربية المستوردة الخارجة عن بلاد الإسلام، يتجهون لتخريب هذه الشعائر وتشويه صورتها، من أجل أن يأخذوا هذا السلاح ـ الذي يعتبر من أفضل الأسلحة، التي يملكها الإنسان المسلم ـ من يد المسلمين، ويجعلوهم دائماً في حالة من الضعف.

———————————–

الهوامش :

(1) نُسب المكان إلى الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) باعتباره محلاً لذكر مصيبته والحديث عن نهضته وأبعادها الروحية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والعقائدية.

(2) كتاب الطهارة للسيد الخوئي: 2 : 271 ومنهاج الصالحين للسيد محمد سعيد الحكيم: 1 : 133

(3) ((عن الفضل قال: سمعت الرضا(عليه الصلاة والسلام)يقول: لما أمر الله عز وجل إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب. فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد، فأوحى الله إليه: أفهو أحب إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال: يذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم فان طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل – لو ذبحته بيدك – بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب وذلك قول الله عز وجل ” وفديناه بذبح عظيم)) بحار الأنوار: 44 :225 وما ورد عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) روي عن أبي جعفر (عليه الصلاة والسلام)، قال: ((كان النبي (صلّى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة (رضي الله عنه)، فقال لها: لا يدخل علي أحد. فجاء الحسين (عليه الصلاة والسلام) وهو طفل، فما ملكت معه شيئا حتى دخل على النبي (صلّى الله عليه وآله)، فدخلت أم سلمة على أثره، فإذا الحسين على صدره، وإذا النبي (صلّى الله عليه وآله) يبكي، وإذا في يده شئ يقلبه، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): يا أم سلمة، إن هذا جبرائيل يخبرني أن هذا مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها، فضعيها عندك، فإذا صارت دما فقد قتل حبيبي، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، سل الله أن يدفع ذلك عنه. قال: قد فعلت، فأوحى الله عز وجل إلي: أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفعون، وأن المهدي من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين، وشيعته هم والله الفائزون يوم القيامة)) أمالي الصدوق: 203

(4) آل عمران: 110

(5) النحل: 125

(6) يوسف: 84

(7) كامل الزيارات: 213 :ح2

(8) يوسف: 86

(9) كامل الزيارات: 213 :ح1

(10) بحار الأنوار: 44: 282، ح14 وقرب الإسناد: 36، ح117، ط. مؤسسة آل البيت (عليه الصلاة والسلام).

(11) بحار الأنوار: 44: 287، ح25

(12) روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) انه قال: ((من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فمن لم يستطع فلينكره بلسانه فمن لم يستطع فلينكره بقلبه وذلك أضعف الإيمان)) روضة الجنان: 300

(13) لواعج الأشجان: 34

(14) دلائل الإمامة: 182

(15) مدينة المعاجز: 4 : 63

(16) فهذه القضية التي تتعلق بالجانب الأخلاقي موجودة عندنا، وشوهدت في زمن الحسين(عليه الصلاة والسلام)وفي كل زمان على مرّ التاريخ..(منه(قدّس سرّه)).

(17) ولا أتكلم عن أفراد ربما يكونون شياطين ومنحرفين يسمون بأتباع آل البيت(عليه الصلاة والسلام)لكنهم خارجون عن القاعدة، وإنما أتكلم عن عامة أتباع أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)..(منه (قدّس سرّه)).

(18) البقرة: 74

(19) الحديد: 16

(20) محمد: 24

(21) البقرة: 88

(22) الزمر: 22

(23) الزمر: 23

(24) بحار الأنوار: 93: 329

(25) عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: ((مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي(عليهما السلام)فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين(عليه الصلاة والسلام)بالإمامة من الله عزّ وجلّ)) من لا يحضره الفقيه: 2 :582

(26) عن أبي عبد الله (عليه الصلاة والسلام): ((لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عليهما السلام)لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لان حق الحسين(عليه الصلاة والسلام) فريضة من الله واجبة على كل مسلم)) كامل الزيارات: 238

(27) بحار الأنوار: 98 : 8 :ح30

(28) البحار: 101: 303 – 307

(29) زيارة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) في النصف من رجب وشعبان.

(30) الكامل في التاريخ: 4: 48

(31) سير أعلام النبلاء: 12 : 36

(32) من لا يحضره الفقيه: 2 :582

(33) كامل الزيارات: 238

(34) كامل الزيارات: 175 

(35) الشورى: 23

(36) يحتاج هذا البحث إلى حديث طويل، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الجانب التأريخي وردود الفعل من السلطة الغاشمة تجاه هذا الشعار في مختلف الأدوار..(منه(قدّس سرّه)).

(37) ومن الأمور التي تكشب حقد هذا الطاغية – يزيد – على أهل بيت النبوة، انه خرج لتلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسن والحسين فعندما دخل موكب السبايا والرؤوس محمّلة على الرماح، قال متشفياً:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت                       تلك الرؤوس على ربا جيرون

نعب الغراب فقلت: قل أو لا تقل                   فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني بذلك أنه قتل الحسين بمن قتله رسول الله يوم بدر، مثل عتبه جده. والذي يقول مثل هذا لايشك في كفره.

(38) جلاء العيون: 2 : 264

(39) عن طبقات ابن سعد عن أُُمّ سلمة أنـّه لما بلغها قتل الحسين (عليه الصلاة والسلام) قالت: ((أو قد فعلوها ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً!)) ثمّ بكت حتى غشي عليها. البداية والنهاية 8 : 218.

(40) كامل الزيارات: 208 : ح 297

(41) المصدر السابق.

(42) من الطبيعي أن نجد اختلافاً في بعض التفاصيل، كما أننا لا نتبنّى كلّ ما ورد في قضيّة الحسين(عليه الصلاة والسلام)من تفاصيل. وإنّما نقصد من التفاصيل والخصوصيات المعالم الأساسية في هذه الثورة واتجاهاتها وتخطيطها ومبرّراتها وخلفياتها ومآسيها. وإن كانت التفاصيل قد تتفاوت في التعبير عن ذلك.

(43) شرحنا هذا الهدف في كتابنا (ثورة الإمام الحسين) فليراجع.

(44) عن أبي عبد الله الصادق(عليه الصلاة والسلام)أنّه قال: ((ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلاّ أوجب الله له الجنّة وغفر له)). وسائل الشيعة: 10: 464:ح1

(45) الكافي: 2: 187: ح5

(46) الحج: 32

(47) الحجّ: 32

(48) فالاشتراك في تظاهرات يراد منها خدمة الإسلام تعظيم لشعائر الله، وكذلك الاشتراك في الشعائر الحسينية باعتبار أن الحسين(عليه الصلاة والسلام)يمثل القدوة الصالحة في الإسلام، وهكذا كل مظهر من المظاهر تكون فيه سمة الإسلام شعيرة، وكل شيء يكون فيه هذا المظهر عندما يعظّمه الإنسان يكون قد قام بعمل يؤدي إلى طهارة قلبه وسلامته ونظافته..(منه(قدّس سرّه)).

(49) بحار الأنوار: 43: 696: ح56

(50) آل عمران: 159

(51) فما خلا عصر من العصور إلاّ وكانت هناك مطاردة لأهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)… فوسائل الإعلام والتبليغ والحديث والروايات كانت ضدهم، ولمدة مئة سنة كان بنو أمية يلعنون علياً (عليه الصلاة والسلام) على المنابر بسنّةٍ من المجرم معاوية بن أبي سفيان..(منه(قدّس سرّه)).

(52) لقد درسنا في الجامعات، ونعرف كيف يشاغب الطلاب، ويتصرفون أحياناً تصرفات غير مناسبة، مع أنهم جاءوا إلى هذه المدارس ليستفيدوا منها..(منه(قدّس سرّه)).

(53) الإرشاد: 2 : 92

(54) الإسراء 71

(55) وكان المرحوم السيد محسن الحكيم في ذاك الوقت مريضاً في لندن….. فهي بدأت من الشعائر الحسينية، وسوف تنتهي إن شاء الله وتنتصر بالشعائر الحسينية..(منه(قدّس سرّه)).

(56) نعم إذا كان الجزع فيه خروج عن الصبر والرضا بقضاء الله فهو حرام كما ذكر ذلك السيد الخوئي في كتاب الطهارة: ج9 كما روي عن أبي عبد الله (عليه الصلاة والسلام) في حديث قال: ((كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين(عليه الصلاة والسلام))). الأمالي للشيخ الطوسي: 162

(57) وأنا أدعو كل الإخوة الأعزاء الذين لهم باع في البيان وفي القلم وفي الشعر والأدب والتمثيل وغيره، أن يتناولوا المظلومية بكل أبعادها وعمقها بدون تخفيف أو تهوين في مقام التعبير عن هذا الجانب في ثورة الإمام الحسين(عليه الصلاة والسلام)..(منه (قدّس سرّه)).

(58) والاستضعاف سواء كان حالة سياسية أم اجتماعية فهو ليس عيباً، وإنما هو امتحان وابتلاء لهم من قبل الله تعالى، وابتلاء للذين لم يستضعفوا أيضاً في كيفية تعاملهم مع هذه الفئات المستضعفة..(منه(قدّس سرّه)).

(59) الحج: 28


أكتب تعليقاً