تربة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام المقدّسة

تربة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام المقدّسة


فضلها وآدابها

بقلم الشيخ عباس القمي عليه الرحمة

المصدر كتاب مفاتيح الجنان

اعلم أن لنا روايات متضافرة تنطق بأنّ تربته (عليه الصلاة والسلام) شفاء من كلّ سقم وداء إلا الموت وأمان من كلّ بلاء، وهي تورث الأمن من كلّ خوف، والأحاديث في هذا الباب متواترة وما برزت من تلك التّربة المقدّسة من المعجزات أكثر من أن تُذكر واني قد ذكرت في كتاب الفوائد الرّضويّة في تراجم العلماء الإماميّة عند ترجمة السّيد المحدّث المتبحّر نعمة الله الجزائري انّه كان ممّن جهد لتحصيل العلم جهداً وتحمّل في سبيله الشّدائد والصّعاب وكان في أبان طلبه العلم لا يسعه الإسراج فقراً فيستفيد للمطالعة ليلاً من ضوء القمر وقد أكثر من المطالعة في ضوء القمر ومن القراءة والكتابة حتّى ضعف بصره فكان يكتحل بتربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) المقدّسة وبتراب المراقد الشّريفة للائمة في العراق (عليهم الصلاة والسلام) فيقوي بصره ببركتها، وانّي قد حذرت هُناك أيضا أهالي عصرنا أن يعجبوا لهذه الحكاية اثر معاشرتهم الكفّار والملاحدة ، فقد قال الدّميري في حياة الحيوان : أن الأفعى إذا عاش مائة سنة عميت عينه فيلهمه الله تعالى أن يمسحها بالرازيانج الرّطب لكي يعُود إليها بصرها فيقبل من الصّحراء نحو البساتين ومنابت الرّازيانج وان طالب المسافة حتّى يهتدي إلى ذلك النّبات فيمسح بها عينه فيرجع إليها بصرها، ويروي ذلك عن الزّمخشري وغيره أيضاً، فإذا كان الله تعالى قد جعل مثل هذه الفائدة في نبات رطب وتهتدي إليه حيّة عمياء فتأخذ نصيبها منه فأيّ استبعاد واستعجاب في أن يجعل في تربة ابن نبيّه صلوات الله عليه الذي َّستشهد هو وعترته في سبيله شفاء من كلّ داء وغير ذلك من الفوائد والبركات لينتفع بها الشّيعة والأحباب، ونحن في المقام نقنع بذكر عدّة روايات .

الأولى : روي أن الحور العين إذا بصرن بواحد من الأملاك يهبط إلى الأرض لأمر ما يستهدين منه السّبح والتّربة من طين قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام) .

الثّانية : روي بسند معتبر عن رجل قال : بعث إلي الرّضا (عليه الصلاة والسلام) من خراسان رزم ثياب وكان بين ذلك طين فقلت للرّسول : ما هذا؟ قال : هذا طين قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام) ما كاد يوجه شيئاً من الثّياب ولا غيره إلا ويجعل فيه الطّين، فكان يقول: هو أمان بإذن الله .

الثّالثة : عن عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت للصّادق (عليه الصلاة والسلام) : يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام)فينتفع به ويأخذ غيره فلا ينتفع به ؟ فقال : لا والله ما يأخذه أحد وهو يرى أن الله ينفعه به إلا نفعه الله به .

الرّابعة : عن أبي حمزة الثّمالي قال : قلت للصّادق (عليه الصلاة والسلام): إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحسين (عليه الصلاة والسلام)يستشفُون به هل في ذلك شيء ممّا يقولون من الشّفاء ؟ قال : يستشفي بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال وكذا طين قبر جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا طين قبر الحسن وعليّ ومحمّد، فخُذ منها فإنها شفاء من كلّ سقم وجنّة ممّا تخاف ولا يعدلها شيء من الأشياء الّتي يستشفي بها إلا الدّعاء وإنما يفسدها ما يخالطها من أوعيتها وقلّة اليقين ممّن يعالج بها، فأما مَن أيقن أنها له شفاء إذا يعالج بها كفته بإذن الله تعالى من غيرها ممّا يتعالج به، ويفسدها الشّياطين والجنّ من أهل الكفر منهم يتمسّحون بها وما تمرّ بشيء إلا شمّها، وأما الشّياطين وكفّار الجنّ فأنهم يحسدون ابن آدم عليها فيمسحون بها فيذهب عامّة طيبها ولا يخرج الطّين من الحائر إلا وقد استعدّ له ما لا يحصى منهم، والله إنها لفي يدي صاحبها وهم يتمسّحون بها ولا يقدرُون مع الملائكة أن يدخلوا الحائر ولو كان من التّربة شيء يسلم ما عولج به أحد إلا بريء من ساعته، فإذا أخذتها فاكتمها وأكثر عليها ذكر الله عزّ وجل، وقد بلغني أنّ بعض من يأخذ من التّربة شيئاً يستخفّ به حتّى أن بعضهم ليطرحها في مخلاة الإبل والبغل والحمار أو في وعاء الطّعام وما يمسح به الأيدي من الطّعام والخرج والجوالق، فكيف يستشفي به من هذا حالها عنده، ولكن القلب الَّذي ليس فيه اليقين من المستخفّ بما فيه صلاحه يفسد عمله .

الخامسة : روي انّه إذا تناول التّربة أحدكم فليأخذ بأطراف أصابعه وقدره مثل الحمّصة فليقبلها وليضعها على عينيه وليمررها على سائر جسده وليقُل : اَللّـهُمَّ بِحَقِّ هـذِهِ التُّرْبَةِ وَبِحَقِّ مَنْ حَلَّ بِها وَثَوى فيها وَبِحِقِّ جَدِّهِ وَاَبيهِ وَاُمِّهِ وَاَخيهِ وَالاَْئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ وَبِحَقِّ الْمَلائِكَةِ الْحافّينَ بِهِ اِلاّ جَعَلْتَها شِفاءً مِنْ كُلِّ داء، وَبُرْءاً مِنْ كُلِّ مَرَض، وَنَجاةً مِنْ كُلِّ آفَة، وَحِرْزاً مِمّا اَخافُ وَاَحْذَرُ، ثمّ ليستعملها .

وروي أن الختم على طين قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام) أن يقرأ على سورة (إنا أنزلناه فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).

وروي أيضا انّك تقول إذا طعمت شيئاً من التّربة أو أطعمته أحداً : بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ، اَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ رِزْقاً واسِعاً وَعِلْماً نافِعاً وَشِفاءً مِنْ كُلِّ داء اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ .

أقول : لتربته الشّريفة فوائد جمّة : منها استحباب جعلها مع الميّت في اللّحد واستحباب كتابة الأكفان بها واستحباب السّجود عليها ، فقد روي أن السّجود عليها يخرق الحجب السّبعة أي يورث قبول الصّلاة عند ارتقائها السّماوات، واستحباب أن يصنع منها السّبحة فتستعمل للذّكر أو تترك في اليد من دون ذكر فلذلك فضل عظيم، ومن ذلك الفضل أن السّبحة تسبّح في يد صاحبها من غير أن يسبّح، ومن المعلوم أن هذا التّسبيح بمعنى خاص غير التّسبيح الَّذي يسبّحه كلّ شيء كما قال الله تعالى  ) وَاِنْ مِنْ شَىْء اِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ ( [1].

وبالإجمال فالتّسبيح الوارد في هذه الرّواية هو تسبيح خاصّ بتربة سيّد الشّهداء أرواحنا له الفداء .

السّادسة : عن الرّضا (عليه الصلاة والسلام) من أدار السّبحة من تربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) فقال: سُبْحانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ وَاللهُ اَكْبَرُ، مع كلّ حبّة منها كتب الله لهُ بها ستّة آلاف حسنة، ومحا عنه ستّة آلاف سيّئة، ورفع له ستّة آلاف درجة، واثبت له من الشّفاعة مثلها، وعن الصّادق (عليه الصلاة والسلام): أن من أدار الحصيات الّتي تعمل من تربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) أي السّبحة من الخزف فاستغفر بها مرّة واحدة كتب له سبعون مرّة وان أمسك سبحة في يده ولم يسبّح كتب له بكلّ حبّة سبعاً .

السّابعة : في الحديث المعتبر أن الصّادق صلوات الله عليه لما قدم العراق أتاه قوم فسألوه: عرفنا أن تربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) شفاء من كلّ داء فهل هي أمان أيضا من كلّ خوف ؟ قال : بلى من أراد أن تكون التّربة أماناً له من كلّ خوف فليأخذ السّبحة منها بيده ويقول ثلاثاً :

اَصْبَحْتُ اللّـهُمَّ مُعْتَصِماً بِذِمامِكَ وَجِوارِكَ الْمَنيعِ الَّذي لا يُطاوَلُ وَلا يُحاوَلُ، مِنْ شَرِّ كُلِّ غاشِم وَطارِق مِنْ سائِرِ مَنْ خَلَقْتَ وَما خَلَقْتَ مِنْ خَلْقِكَ الصّامِتِ وَالنّاطِقِ فِي جُنَّة مِنْ كُلِّ مَخُوف بِلِباس سابِغَة حَصينَة وَهِيَ وَلاءُ اَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مُحْتَجِزاً مِنْ كُلِّ قاصِد لي اِلى اَذِيَّة بِجَدار حَصين الاِْخْلاصِ فِي الاِْعْتِرافِ بِحَقِّهِمْ وَالَّتمَسُّكِ بِحَبْلِهِمْ جَميعاً، مُوقِناً اَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَمَعَهُمْ وَمِنْهُمْ وَفيهِمْ وَبِهِمْ اُوالي مَنْ والَوا وَاُعادي مَنْ عادَوا وَاُجانِبُ مَنْ جانَبُوا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاَعِذْنِي اللّـهُمَّ بِهِمْ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَا اَتَّقيهِ، يا عَظيمُ حَجَزْتُ الاَْعادِىَ عَنّي بِبَديعِ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ، اِنّا جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ اَيْديهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَاَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ . ثم يقبل السبحة ويمسح بها عينه ويقول: الَّلهُمَّ انِّي أسأَلُكَ بِحَقِّ هذِهِ التُربَةِ المُبارَكَةِ، وَبِحَقِّ صاحِبِها وبِحَقِّ جَدِّهِ وَبِحَقِّ أبيهِ وبِحَقِّ أُمِّهِ وبِحَقِّ أخيهِ وَبِحَقِّ وُلدِهِ الطاهِرينَ، اجْعَلْها شِفاءً مِنْ كُلِّ داء، وأماناً مِنْ كُلِّ خَوف، وَحِفظاً مِنْ كُلِّ سُوء.

ثمّ يجعلها على جبينه، فان عمل ذلك صباحاً كان في أمان الله تعالى حتّى يمسي وان عمله مساءً كان في أمان الله تعالى حتّى يصبح .

وروي في حديث آخر أن من خاف من سلطان أو غيره فليصنع مثل ذلك حين يخرج من منزله ليكُون ذلك حرزاً له .

أقول : لا يجوز مطلقاً على المشهور بين العلماء أكل شيء من التّراب أو الطّين إلا تربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) المقدّسة استشفاء من دُون قصد الالتذاذ بها بقدر الحمّصة، والأحوط أن لا يزيد قدرها على العدسة، ويحسن أن يضع التّربة في فمه ثمّ يشرب جُرعة من الماء ويقول : اَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ رِزْقاً واسِعاً وَعِلْماً نافِعاً وَشِفاءً مِنْ كُلِّ داء وَسُقْم .

قال العلامة المجلسي : الأحوط ترك التّبايع على السّبحة من التّربة أو ما يصنع منها للسّجدة بل تهدى إهداء ولعلّه ممّا لا بأس به أن يتراضى عليها المتعاملان تراضياً من دون اشتراط سابق، ففي الحديث المعتبر عن الصّادق (عليه الصلاة والسلام) قال : من باع تراب قبر الحسين (عليه الصلاة والسلام) فكأنّما تبايع على لحمه (عليه الصلاة والسلام) .

أقول : حكى شيخنا المحدّث المتبحّر ثقة الإسلام النّوري (رحمه الله) في كتاب دار السّلام قال : دخل بعض إخواني على والدتي رحمها الله فرأت في جيبه الَّذي في أسفل قبائه (بالفارسيّة) تربة مولانا أبي عبد الله (عليه الصلاة والسلام) فزجرته وقالت : هذا من سوء الأدب ولعلّها تقع تحت فخذك فتنكسر ، فقال : نعم انكسرت منها إلى الآن اثنان وعهد أن لا يضعها بعد ذلك فيه ولما مضى بعض الأيام رأى والد العلاّمة رفع الله مقامه في المنام ولم يكن له اطّلاع بذلك أن مولانا أبا عبد الله (عليه الصلاة والسلام) دخل عليه زائراً وقعد في بيت كتبه الَّذي كان يقعد فيه غالباً فلاطفه كثيراً وقال : ادعُ بنيك يأتوا إلي لأكرمهم فدعاهم وكانوا خمسة معي، فوقفوا قدامه (عليه الصلاة والسلام) عند الباب وكان بين يديه أشياء من الثّوب وغيره، فكان يدعو واحداً بعد واحد ويعطيه شيئاً منه فلمّا وصلت النّوبة إلى الأخ المزبور سلّمه الله نظر الله شبه المغضب والتفت إلى الوالد (قدس سره) وقال : ابنك هذا قد كسر تربتين من تراب قبري تحت فخذه ثمّ طرح إليه شيئاً ولم يدعه إليه، وببالي أن ما أعطاه كان بيت المشط الَّذي يعمل من الثّوب الَّذي يقال له بالفارسيّة (تِرْمه) فانتبه وقصّ ما رآه على الوالدة رحمها الله، فأخبرته بما وقع فتعجّب من صدقه ، انتهى .

———————————

[1] وقال العارف الرّومي في معنى الآية :

گر ترا از غيب چشمى باز شد     با تو ذرّات جهان همراز شد

نطق خاك ونطق آب ونطق گِل     هست محسوس حواس اهل دل

جمله ذرّات در عالم نهان     با تو ميگويند روزان وشبان

ما سميعيم وبصير وباهُشيم     با شما نامحرمان ما خامشيم

از جمادى سوى جان جان شويد     غلغل اجزاى عالم بشنويد

فاش تسبيح جمادات آيدت     وسوسه تاوليها بزد آيدت