صوم يوم عاشوراء

صوم يوم عاشوراء


بقلم: حجة الإسلام السيد جواد القزويني

المقدمة :

تعودنا في بداية كل عام هجري أن تصلنا إلى المنازل كتيبات تتحدث وتحثّ الناس على صيام يوم عاشوراء، بل ونفاجأ عند اقترابنا من اليوم العاشر من المحرّم أن تُفرد أعمدة طويلة في الجرائد اليومية لنفس الغرض، حتى يظن البسيط من الناس إن صيام هذا اليوم كصيام يومٍ من شهر رمضان إن لم يكن أفضل!

حركة نشطة تبدأ في أول يومٍ من محرم لتزداد نشاطاً في الثامن والتاسع من نفس الشهر، نشاطٌ قلّ نظيره بل يكاد يكون متفرداً في نوعه.

لماذا هذا الإصرار والحرص على الترويج لهذه المسألة بالذّات؟

هل هي غيرتهم على الدين وحرصهم على تطبيق أحكام الله؟

قطعاً ليس الأمر كذلك، فالحرص على تطبيق حكم الله يبدأ من حيث ما هو أهم أعني الأوامر والنواهي لا من المستحبات، والفرد يرى أن اهتمامهم بالوجبات في باقي الفروع لم يصل إلى مستوى حرصهم على ترويج هذه المسألة.

والسرّ في واقع الأمر يكمن في ذلك الحقد الدفين الموروث من بني أمية على علي (عليه الصلاة والسلام) وشيعته، إذ أن صيام هذا اليوم أحد الموروثات الأموية، وقد سنّه بنو أمية فرحاً بقتلهم الحسين (عليه الصلاة والسلام) فقد قال المقريزي وأبو ريحان البيروني إن بني أمية لبسوا فيه الجديد – أي عاشوراء – وتزينوا واكتحلوا وعيّدوا… وجرت هذه المراسم أيام ملكهم… وبقيت أثارها إلى يومنا هذا في بعض البلاد الإسلامية.

وأضاف البعض: إن بني أمية اتخذوا اليوم الأول من صفر عيداً لهم حيث أدخلوا فيه رأس الحسين (عليه الصلاة والسلام)[1].

وللأسف الشديد أصبح هذا الموروث الممتلئ بالحقد والكره لأهل البيت (عليهم السلام) ديناً يُعمل به، بل ووضعوا على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ما يعضد دعواهم الزائفة ومع هذا وردت جملة من الأحاديث التي تنفي خصوصية صيام ذلك اليوم.

فمنها (عن عائشة قالت كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان وكان يوماً تستر فيه الكعبة فلما فرض الله رمضان قال رسول (صلى الله عليه وآله) من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه)[2].

والرواية تصرّح أن صيام عاشوراء إنما كان قبل أن يفرض الصيام في المدينة وبعد تشريع رمضان ارتفعت الحاجة إلى صيامه. وإذا كان القوم يصرون على الصيام في يوم عاشوراء، فلماذا لا يصرّون على ستر الكعبة في يوم عاشوراء ويقومون بسترها فقط في يوم التروية؟!

ومنها: (عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما [فرض] رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه)[3].

وفيها تصريح بأنّ هذا الفعل من أفعال الجاهلية وقد ارتفع بعد تشريع الصيام بقرينة قول عائشة: (ترك يوم عاشوراء)، إلا أن يكون المرّوجون من الذين قال عنهم تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون).

ومنها: (عن عبد الله بن مر إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه)[4].

وفيها إن عاشوراء لا خصوصية في صيامه فتعبير رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه (يوم من أيام الله) كباقي الأيام فأيّ خصوصية تستفاد منه؟

ومنها (عن ابن عمر انه ذكر عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم عاشوراء فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كان يصومه أهل الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه)[5].

ومن المعلوم عند المسلمين أن الحكم المستحب ما يكون إتيانه فيه رجحان مع جواز الترك، ولا يستفاد من هذا الخبر حكم الاستحباب، إذ أن رسول الله قد خيّر بين صيامه وبين تركه وغاية ما يستفاد منه حكم الإباحة.

نعم، الصيام بما هو مستحب إلا أن خصوصية اليوم منفية بالحديث، فالصيام في أي يوم من أيام السنة عدا المحرّم منها كالعيدين يستحق المكلف عليها الثواب.

وأكثر من هذا فقد قال ابن الأثير ما هذا نصه: (لما فرض رمضان لم يأمرهم بصوم عاشوراء ولم ينههم عنه)[6].

ولو كان صوم عاشوراء مستحباً لأشار إلى ذلك (صلى الله عليه وآله) والحال أنه لم يفعل.

ومن ضمن الروايات التي استند عليها القوم ما ورد في الترمذي (عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء أي يوم أصومه؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ثم أصبح من التاسع صائماً، قال: قلت: أهكذا كان يصومه محمد (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم[7].

وفيه أن عاشوراء قد اختلف في تحديده هل هو التاسع أو العاشر من الشهر، وهذا يدّل على عدم وضوح وتحديد عاشوراء في روايات القوم، وقد جاء في نفس المصدر ما هذا نصّه (وقد اختلف أهل العلم في يوم عاشوراء، فقال بعضهم يوم التاسع، وقال بعضهم يوم العاشر).

ومن الموارد التي تعكس مدى الاضطراب في الروايات، ما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس، يقول: حين صام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)[8].

ولنا في هذه الرواية عدة وقفات:

الأولى: يُفهم من الرواية أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد صام يوم عاشوراء دون أن يعلم عِظم هذا اليوم عند اليهود، والحال أن في رواية ابن عباس الآتية، يظهر أن النبي قد سأل اليهود عن سبب تعظيمهم لعاشوراء، فبينّوا له (صلى الله عليه وآله) السبب، والقرينة التي تدلّ على ما ذهبنا إليه استنكار الصحابة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقولهم له (صلى الله عليه وآله): انه يوم تعظمه اليهود والنصارى، ففيها معارضة واضحة لتلك الطائفة من الروايات التي سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها اليهود عن سبب تعظيمهم لعاشوراء.

الثانية: إن الروايات قد دلّت على عِظم هذا اليوم عند اليهود باعتباره يومٌ نجى فيه موسى من فرعون، والقضية مختصة باليهود، فأي علاقة للنصارى بالقضية؟!

الثالثة: إن النبي (صلى الله عليه وآله) عندما علم أن هذا اليوم مختص باليهود، أمر أصحابه في العام المقبل بصوم التاسع، ولكنه (صلى الله عليه وآله) التحق بالرفيق الأعلى، وفيه من المعارضة للروايات التي تناولت قصة صوم اليهود فرحاً بنجاة موسى (عليه الصلاة والسلام) ما لا يُنكر، وذلك لأن رواية ابن عباس الآتية وغيرها تضمّنت قول النبي لليهود: نحن أحق به منكم – أي بموسى – فهي تدل على الموافقة معهم، والحال أنه (صلى الله عليه وآله) في هذه الرواية أراد أن يخالف اليهود في فعلهم، ولذا أمر بصيام يوم التاسع.

كما استند القوم في دعواهم إلى روايات أخرى وردت في الصحاح تدل على استحباب صوم يوم العاشر من المحرّم

فمنها (عن ابن عباس قال: قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه).

وبما أن المناقشة في أسانيد الصحاح تُعتبر أمراً محظوراً فإننا سنكتفي بالبحث الدلالي وغضّ الطرف عن البحث السندي للرواية، على ما في السند من ضعفٍ لا يُنكر.

أقول: إن هذه الرواية فيها معارضة واضحة مع رواية عبد الله بن عمر المتقدمة في الحلقة الأولى، ووجه المعارضة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصومه في الجاهلية، وكذلك المسلمون، وذلك قبل أن يفرض رمضان، ومنها يُستفاد أن بداية الصوم كانت في الجاهلية، ورواية ابن عباس تبيّن أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد صامه في المدينة عندما علم من اليهود انه يوم نجى فيه موسى من فرعون، ومن هنا يحقّ لنا أن نتسائل عن بداية صوم هذا اليوم، فهل كان في الجاهلية كما جاء في رواية عبد الله بن عمر، أم أنه كان بعد دخوله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وعلمه من اليهود بقصة النجاة؟.

فنقول بالمعارضة بلا أدنى مجازفة ، وهل أمر النبي (صلى الله عليه وآله) للمسلمين بصيام عاشوراء كان من منطلق الموافقة لليهود أم المخالفة لهم؟.

فإذا كان من باب المخالفة فالرواية لا تدل بوجهٍ على هذا المعنى، وإن كان من باب الموافقة، فهذا خلاف جواب ابن عباس حيث أجاب بعد سؤاله عن وقت الصوم وهل هو التاسع أم العاشر، قال ابن عباس: (صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود)[9].

وفي جواب ابن عباس مخالفة واضحة لرواية نجاة موسى (عليه الصلاة والسلام)، إذ أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر المسلمين بصيام يوم عاشوراء دون التاسع، فمن أي باب أضاف ابن عباس صوم التاسع إلى العاشر؟

هل اليهود تصوم يوم عاشوراء؟

قد مرّ عليك بعض الروايات الدالة على استحباب صوم عاشوراء والتي أُخذت من اليهود، ومن هنا نريد أن نبحث حقيقة صوم اليهود وهل هو في العاشر من المحرم أم أنها مجرد دعوى؟

أمّا صوم اليهود فهو في اليوم العاشر، ولكنه ليس العاشر من المحرم، بل من شهرهم الأول: الذي يسمى (تشري)، ويسمّونه يوم (كيپور) (kipur) أي يوم (الكفّارة) وهو اليوم الذي تلقّى فيه الإسرائيليون اللوح الثاني من ألواح الشريعة العشرة، ولم يكن ذلك يوم نجاتهم من فرعون، بل بعد نجاتهم من فرعون، وميقات موسى (عليه الصلاة والسلام) وابتلائهم بعبادة العجل إلهاً لهم، ورجوع موسى من الميقات إليهم، وإعلان اشتراط قبول توبتهم بقتل بعضهم لبعض، وبحصولهم على العفو من رفقائهم، ولذلك فقد خُصّص اليوم قبل (كيپور) بتبادل العفو فيما بينهم، وخُصص يوم “كيپور” للصيام والصلاة والتأمّل كأقدس أيام اليهود.

والتقويم اليهودي المستعمل اليوم عندهم شهوره قمرية، ولذلك فعدد أيام السنة في السنوات العادية 355 أو 354 أو 353، ولكنهم جعلوا سنواتهم شمسية بشهور قمرية، ولذلك فلهم سنوات كبيسة، ففي كل سنة كبيسة يضاف شهر بعد آذار الشهر السادس باسم آذار الثاني فيكون الشهر السابع، ويكون نيسان الشهر الثامن، وعليه تكون أيام السنة الكبيسة 385 أو 384 أو 383[10].

أضف إلى ذلك أن كيفية الصوم عندهم أيضا تختلف عن الصوم عندنا فإنهم يصومون من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي وعليه فلا وجه ولا أساس لما نسب في المرويات إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن صوم عاشوراء كان ذا أصل يهودي، وإنهم كانوا يصومونه في هذا اليوم، ولتسليط الضوء أكثر على هذه المسالة نعرض بعض الأقوال في هذا الشأن:

( 1 ) قال الدكتور جواد علي: (و يقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء ما يقال له (يوم الكفارة) وهو يوم صوم وانقطاع ويقع قبل عيد المظال بخمسة أيام أي في يوم عشرة تشري، وهو يوم الكبور (kipur)، ويكون الصوم فيه من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، وله حرمة كحرمة السبت، وفيه يدخل الكاهن الأعظم قدس الأقداس لأداء الفروض الدينية المفروضة في ذلك اليوم)[11].

( 2 ) وقال السقاف: (في واقعنا الحاضر لا نجد أي يهودي يصوم في العاشر من محرم أو يعده عيدا، ولم يوجد في السجلات التاريخية ما يشير إلى أنهم صاموا في العاشر من محرم أو عدّوه عيداً بل اليهود يصومون يوم العاشر من شهر تشرين وهو الشهر الأول من سنتهم في تقويمهم وتاريخهم إلا أنهم لا يسمونه يوم عاشوراء بل يوم أو عيد كيپور)[12].

( 3 ) وقال محمود باشا الفلكي في تقويم العرب قبل الإسلام: (يظهر أن اليهود من العرب كانوا يسمون أيضا عاشوراء وعاشور اليوم العاشر من شهر تشري الذي هو أول شهور سنتهم المدنية وسابع شهور السنة الدينية عندهم. و السَّنة عند اليهود شمسية لا قمرية، فيوم عاشوراء الذي كان فيه غرق فرعون لا يتقيّد بكونه عاشر المحرم بل اتفق وقوعه يوم قدوم النبي)[13].

( 4 ) قال السقاف أيضا: (إن لليهود تقويماً خاصاً بهم يختلف عن تقويمنا العربي الإسلامي اختلافا ًبيناً ويبتدئ بشهر (تشري)ثم (حشران) وينتهي بشهر (أيلول) وهو الشهر الثاني عشر، وفي كل سنة كبيسة يضاف إليها شهر واحد حتى يكون للسنة الكبيسة ثلاثة عشر شهراً وهو شهر (آذار الثاني) الذي يتخلل بين آذار الشهر السادس وبين نيسان الشهر الثامن ويكون (آذار الثاني) الشهر السابع، وعدد أيام السنة في السنوات العادية 353 أو 354، أو 355 يوما فالكبيسة 383 أو 384 أو 385 يوماً، والتقويم اليهودي المستعمل الآن شهور قمرية وسنواته شمسية)[14].

( 5 ) قال أبو ريحان: (تشرين وهو ثلاثون يوماً… وفي اليوم العاشر منه صوم الكبور ويدعى العاشوراء وهو الصوم المفروض من بين سائر الصيام، فإنها نوافل، ويصام هذا الكيبور من قبل غروب الشمس من اليوم التاسع بنصف ساعة إلى ما بعد غروبها في اليوم العاشر بنصف ساعة تمام خمس وعشرين ساعة… وصومه كفارة لكل ذنب على وجه الغلط.و يجب على من لم يصمه من اليهود القتل عندهم، وفيه يصلّى خمس صلوات ويسجد فيها)[15].

ومن هنا نعلم أن حرص البعض على صيام يوم عاشوراء لم يكن من منطلق ديني وإنما من منطلق عصبي طائفي، وإلا لو كان حرصهم على صوم ذلك اليوم نابعاً من حبهّم للثواب والسعي لتحصيله، فلماذا لا يحثّون الناس على صيام  يوم عرفة وهو أفضل وأعظم ثواباً من عاشوراء؟!

فقد ورد في صحيح مسلم ( قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله، وصيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)[16].

وإلى هنا قد اتضحت لك التناقضات والمعارضات الواردة في روايات القوم.

أذن القضية ليست دينية كما يتصور الكثير وإنما أرادوا بأفعالهم هذه أن يمنعوا الناس من الجلوس على مائدة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) هذه المائدة التي تطعم كل إنسان بغض النظر عن دينه ومعتقده، مائدة تليق بصاحبها وتليق بكرمه، فتؤلمهم رؤية الناس وهم واقفون منذ الساعات الأولى للصباح وهم يريدون أن يحصلوا على قليل من الطعام إما للبركة وإما للاستشفاء وإما لغيرها من الأسباب.

نعم أنهم يريدون معاداة الشيعة بأي طريق وبأي صورة، يريدون أن يستأصلوا حب الحسين (عليه الصلاة والسلام) من قلوب محبيه..لكن هيهات فإن الحسين (عليه الصلاة والسلام) تجري محبته في دماء شيعته وفي دماء كل مسلم معتدل غير حاقد.

ونختم بحثنا بكلام لإبن الجوزي ” قال أبن الجوزي: (تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة – أي الشيعة – فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء ونحن براء من الفريقين، وقد صحّ أن رسول الله أمر بصوم عاشورا إذ قال: انه كفارة سنة فلم يقنعوا بذلك حتى أطالوا واعرضوا وترقّوا في الكذب)[17]”.

وسوف نستعرض في الحلقة القادمة حكم صوم عاشوراء عند الشيعة الإمامية.

إلى هنا قد تبين لك ضعف دلاله تلك الروايات والتي استند عليها البعض في الحكم باستحباب صوم عاشوراء، إلا أن نفس هؤلاء البعض قد سارع بنسب هذا الحكم إلى الشيعة الإمامية بعد عثوره على بعض الروايات التي تنفع دعواهم.

فقد وردت طائفة من الروايات من طرق الشيعة ما يفيد استحباب الصيام في عاشوراء وهذه الروايات من شأنها خلق شبهة عند ذلك البعض، إلا أن الروايات قد حملها فقهاء الطائفة على التقية وهذا صريح كلام السيد الخوئي قدس سره الشريف حيث قال: (إن ما بإزائها من الأخبار محمول على التقية لمطابقتها لمذهب العامة من بني أمية وغيرهم، حيث كانوا يتبركون بالصوم في هذا اليوم شكرا على ما جرى على آل رسول الله[18].

والحق في المسالة أن الأئمة عليهم السلام قد بينوا منشأ استحباب الصوم في عاشوراء وهذا ما دلت عليه جلّ الروايات التي صرحت بأن هذا اليوم يوم تبركت فيه بنو أمية حيث جاء في الاستبصار: (حدثني نجية بن الحارث العطار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان والمتروك بدعة قال: نجية فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك من بعد أبيه فأجابني بمثل جواب أبيه ثم قال: أما أنه صيام يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين عليه السلام)[19].

ومنها أيضا ما ورد في الوسائل: (سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد، قال: قلت: وما كان حظهم من ذلك اليوم؟ قال: النار، أعاذنا الله من النار ومن عمل يقرب من النار)[20].

والحق في المسالة أن فقهاء الطائفة حكموا على صوم عاشوراء بالمكروه مستندين على جملة من الأخبار والتي مرّ عليك بعضها، كما صرح بذلك السيد الخوئي قدس سره في استعراضه أحكام الصيام فقد قال: (المكروه منه: بمعنى قلة الثواب ففي مواضع أيضا: منها صوم عاشوراء)[21].

وقد ورد استحباب أن يمسك الإنسان إلى وقت العصر دون تبيت نية الصيام وهذا ما أمر به الإمام (عليه الصلاة والسلام) أصحابه في يوم العاشر.

(فعن عبد الله بن سنان قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت: مم بكاؤك؟ فقال: أفي غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين عليه السلام أصيب في مثل هذا اليوم، فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كاملا وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)[22].

وهي من حيث التصريح بعدم تبييت النية، وعدم تكميل الصوم، ولزوم الإفطار بعد العصر واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي وانه مجرد إمساك صوري في معظم النهار تأسيا بما جرى على الحسين وأهله الأطهار عليهم صلوات الملك المنتقم القهار[23].

وخلاصة القول أن صوم يوم عاشوراء سنة أموية سنّها الأمويون فرحا بقتلهم الحسين (عليه الصلاة والسلام) وشكرا لله على فعلتهم هذه على حدّ اعتقادهم، وإن كنا لا نحب أن يصل الخلاف إلى هذا المستوى من التردي إلا أننا قد رأينا عِظم الإصرار والحرص على حثهم الناس على صوم عاشوراء وكأن ليس هناك في الشريعة الغراء صوم إلا هذا اليوم.

إن ما نراه من أفعال وأقوال تصدر من هنا وهناك إنما تعكس مدى ذلك الحقد الدفين على الشيعة وعلى محبي الحسين، وكأنهم يريدون أن يحصروا الحسين (عليه الصلاة والسلام) بالشيعة ويريدون إيهام المسلمين بأن هذه الشخصية ليست لكل المسلمين، والحقّ أن الحسين (عليه الصلاة والسلام) لكل البشرية، فحتى الكفار من الناس يتعلمون من الحسين ومن ثورته ليطبقوا الدروس المستوحاة منه (عليه الصلاة والسلام) في حركاتهم السياسية والعملية، فهذا مهاتما غاندي يقول (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر)، بينما ترى قسماً من المسلمين تكثر صيحاتهم وصراخهم والتي تنال كل من يشارك في مصائب الرسول وآله فتقذفهم تارة بالبدعة وبالكفر أخرى، فيا عجبا لهؤلاء، فهل صار الحزن على الحسين سبط رسول الله بدعة والبكاء عليه كفر؟!

والحمد لله رب العالمين

——————

الهوامش :

[1] الحضارة الإسلامية: ج 1 ص 137.

[2] صحيح البخاري: ج 2 ص 159.

[3] صحيح البخاري: ج 2 ص 250.

[4] صحيح مسلم: ج 3 ص 147.

[5] صحيح مسلم: ج 3 ص 147.

[6] البداية والنهاية: ج 3 ص 311.

[7] سنن الترمذي: ج 2 ص 127.

[8] صحيح مسلم: ج3 ص 151.

[9] سنن الترمذي: ج 2 ص 127.

[10] الإسلام وشبهات المستشرقين

[11] المفصل في تاريخ العرب 6:339. دار الملايين – انظر كتاب المقدس 2:2660.

[12] مجلة الهادي 7 ع 2:37.

[13] دائرة المعارف البستانى 11:446.

[14] مجلة الهادي 7 ع2: 36.

[15] الآثار الباقية: 277.

[16] صحيح مسلم – مسلم النيسابوري ج 3   ص 167.

[17] الفوائد المجموعة: 100.

[18] كتاب الصوم – السيد الخوئي ج 2 ص 303.

[19] الاستبصار – الشيخ الطوسي ج 2 ص 134.

[20] وسائل الشيعة – الحر العاملي ج 01 ص 461.

[21] كتاب الصوم – السيد الخوئي ج 2 ص 302.

[22] وسائل الشيعة ج 10:459.

[23] كتاب الصوم – السيد الخوئي ج 2 ص 306 .