ما هو الروماتيزم ؟

ما هو الروماتيزم ؟


د. هاني زهران – دكتوراه الروماتيزم والطب الطبيعي والتأهيل

يندر أن تخلو أسرة من عضو فيها يشكو نوعاً أو آخر من الأمراض الروماتيزمية، التي بلغت حوالي 180 مرضاً تعقدت وتشابكت أسبابها وأعراضها حتى باتت تختلط على الكثيرين. ولقد رأيت أن أكتب هذه المقالة كمحاولة لتبسيط هذا الفرع الحديث من الطب، لأن المعرفة بهذه الأمراض ركن مهم في الوقاية منها وفي علاجها وفي التعايش معها بأقل الأضرار في حالة حدوث أي منها.

تعريف مصطلح الروماتيزم :

كلمة (روماتيزم) تعني وجود ألم في أحد أجزاء الجهاز الحركي للإنسان الذي يشمل: المفاصل – العضلات – عظام المفاصل – الأربطة – الغضاريف – الأوعية الدموية. أي أن الروماتيزم عبارة عن عرض لمجموعة من الأمراض يبلغ عددها حوالي مائة وثمانين مرضاً مختلفاً تتباين في حدتها وشدتها وأعراضها من مرض إلى آخر وقد استبدلت كلمة (روماتيزم) بعبارة (التهبات المفاصل)، حيث إنها أدق وأشمل.

كيفية تشخيص المرض :

بقي السؤال الحائر الذي يدور على ألسنة كل المرضى: هل أنا مصاب بالرماتيزم؟ وعندما يرد الطبيب: لا، فإن المريض يحمد الله على أنه ليس مصاباً ًبالرماتيزم، وذلك لعدم معرفته بأن مرض الروماتويد هو أحد صور الروماتيزم.

وأخيراً يتم الاتفاق على تسمية هذه المجموعة من الأمراض باسم أدق وأشمل، وهو (الأمراض الروماتيزمية).

الروماتيزم وجهاز الحركة والمناعة :

يعتبر الجهاز الحركي للإنسان المحرك الأول لكل ما يقوم به الجسم من نشاط عضلي، ويتجلَّى فيه قدرة الخالق في خلقه من توافق عضلات الجسم المختلفة عند تحريك أي مفصل من مفاصله. فعندما تنقبض مجموعة من هذه العضلات، ينشط مجموعة أخرى من العضلات مضادة لها في العمل حتى تحدث حركة مفصلية سلسة لينة ومتوافقة.

– ويتكون الجهاز الحركي للإنسان من مجموعة من المفاصل، والأربطة التي تحمي وتقي هذه المفاصل، وكذلك مجموعة العضلات التي تعمل على تحريك جسم الإنسان كوحدة متكاملة، أو تحريك أجزاء منه حسب الحركة المراد القيام بها.

المفصل :

يعرف المفصل بأنه ارتكاز أو تقابل بنهايتين عظميتين أو أكثر أو غضروفين وارتباطهما بما يثبتهما بعضهما إلى بعض بدرجة تختلف تبعاً لحركة المفصل إلى عدة عوامل منها :

(أ) شكل أسطح الالتهابات العظمية المتمفصلة.

(ب) الأربطة المتكونة داخل المفصل وحوله.

(ج ) درجة توتر العضلات التي تحيط بالمفصل.

أنواع المفاصل والسائل الزلالي الطبيعي:

(1) المفاصل: مثال ذلك المفاصل الموجودة بين عظام الجمجمة.

(2) المفاصل الغضروفية: مثل مفاصل العمود الفقري.

(3) المفاصل الزلالية: وهي تكون الغالبية العظمى من مفاصل الجسم خاصة في الأطراف ، وتمتاز هذه المفاصل بسهولة الحركة التي قد تكون في اتجاه واحد أو حسب طبيعة عمل المفصل ، ويتكون المفصل الزلالي من : السطوح المفصلية للعظام التي تشترك في تكوين المفصل – المحفظة الليفية – المحفظة الزلالية – الأقراص الغضروفية.

ومثال المفاصل الزلالية مفصل الركبة والفخذ والكتف والكاحل ومفاصل أصابع اليدين والقدمين.

وتعتمد التغذية لهذه المفاصل بالقدر الأكبر على عملية الانتشار والضغط الأوزموزي عبر المحفظة الزلالية للمفصل ويقوم السائل الزلالي داخل المحفظة الزلالية والمفصل بنقل التغذية لمكونات المفصل الداخلية، ويكون زيادة ونقصان الضغط حول المحفظة الزلالية ناتجاً عن قوة وانبساط العضلات المحيطة بالمفصل، كما يعتمد على كمية السائل الزلالي الموجودة بالمفصل، وقد توصل الطب الحديث إلى تعويض هذا السائل في حالة نقصانه، مثال ذلك لمرضى ضمور وخشونة غضاريف المفاصل الزلالية، للنوع الأولى أو الثانوي الناتج عن أمراض روماتيزمية أو التهابات مفصلية أخرى.

تقسيم الأمراض الروماتيزمية :

تنقسم الأمراض الروماتيزمية إلى حوالي مائة وثمانين مرضاً، تختلف في حدتها وشدتها وعلاجها من مرض إلى آخر ويعتبر هذا التقسيم عملية ديناميكية مستمرة، ذلك أن التقدم في هذا الفرع من الطب سريع ومستمر، حيث يمكن اكتشاف أمراض جديدة بسبب التطور المذهل في أبحاث جهاز المناعة ، وكذلك وسائل التشخيص الحديثة الأخرى.

وعموماً تنقسم الأمراض الروماتيزمية إلى المجموعات الآتية :

أولاً: أمراض الجهاز الضام (المناعي) وأهمها:

1- مرض الروماتويد.

2- التهاب المفاصل عند الأطفال.

3- مرض القناع الأحمر (الذئبة الحمراء).

4- التهابات الأوعية الدموية.

ثانيا ً: التهابات المفاصل والعمود الفقري:

1- تيبس العمود الفقري.

2- صدفية الجلد والتهاب المفاصل.

3- مرض ريتر.

4- التهابات المفاصل المصاحبة لالتهابات القولون المزمنة.

ثالثاً: خشونة وضمور الغضاريف مثل خشونة مفصل الركبة والفقرات العنقية والفقرات القطينة.

رابعاً: الروماتيزم اللا مفصلي مثل التهاب الألياف وأوتار العضلات والأكياس الزلالية وأصبع الزناد ووتر عضلة فوق الشوكة بالكتف ووتر ديكار فان بمعصم اليد ووتر أكيليس بالكاحل وغيرهم.

خامساً: تقيح المفاصل ويحدث بسبب إصابة المفاصل بالميكروبات المختلفة، مثل البكتريا العنقودية (عقب التهابات الحلق واللوز)وميكروب السل…… إلخ.

سادساً: أمراض التمثيل الغذائي وخلل الغدد الهرمونية مثل النقرس (داء الملوك)، وترسيب البللورات في الأغشية الزلالية في المفاصل، ونقص الفيتامينات، ومرض السكر، وخلل وظائف الغدة الدرقية والغدة جارالدرقية وغيرها.

سابعاً: أمراض العظام والغضاريف مثل لين العظام ووهن العظام، والتهابات الغضاريف وغيرها.

ثامناً: أورام العظام مثل الأورام الحميدة والأورام الخبيثة.

خلل جهاز المناعة :

بعض الأمراض الروماتيزمية وخاصة مرض الروماتويد، لها علاقة وثيقة بالخلل الذي يحدث بجهاز المناعة في الجسم، وخصائص جهاز المناعة والأجسام المناعية بالجسم يتلخص في كلمات قصيرة وهي: أن لها ذاكرة تخصصية والتعرف على ما هو غريب عن مكونات جسم الإنسان الطبيعية، وعندما يفقد جهاز المناعة إحدى هذه الخصائص يحدث خلل به ويصاب الجسم بالأمراض المختلفة.

التشخيص المبكر والوقاية خير وسيلة للعلاج :

يعتبر التشخيص الدقيق هو أفضل وأقصر الطرق للعلاج، وهو يحتاج إلى طبيب متخصص وعلى دراية تامة بالصفات الخاصة لتشخيص وعلاج كل مرض، كما يجب أن يكون ملماً بجميع جوانب التشخيص لكل حالة، وأن يكون مواكباً للتطور المذهل في تشخيص وعلاج هذه الأمراض فهناك نقاط لكل مرض متفق عليها عالمياً لتشخيص كل مرض من الأمراض الروماتيزمية وتتعلّق هذه النقاط بالاَتي:

1- التاريخ المرضي للحالة منذ بدايتها (شكوى المريض بالتفصيل).

2- الكشف الإكلينيكي للجهاز الحركي بالكامل.

3- الفحوصات المعملية.

4- الفحوصات الإشعاعية: وأهمها الأشعة العامة والمقطعية والرنين المغناطيسي وقياس كثافة العظام.

علاج الأمراض الروماتيزمية ينقسم إلى :

أولاً: تعريف المريض عن طبيعة المرض الروماتيزمي المصاب به وعلى أي أساس تم التشخيص، ومضاعفات المرض في حالة إهمال العلاج، ومدة العلاج، وطريقة متابعة تطور المرض وأيضاً متابعة جرعة الدواء، وضرورة الالتزام بالمواعيد الدورية المتفق عليها عالمياً لمتابعة كل مرض وكل دواء على حدة.

ثانياً: تعليمات الغذاء المناسب: مثل تعليمات الغذاء لمريض الروماتيد – مرض خشونة الغضاريف – مرض النقرس – ومرض ضعف (أو هشاشة) العظام.

ثالثاً: العلاج الدوائي: والهدف من استخدام الأدوية هو القضاء على التهابات المفاصل. وكذلك كسر الحلقة المفرغة التي تنشأ من الالتهابات والآلام والعمل على تخفيف هذه الآلام، والعمل على إيقاف دمار المفاصل وحدوث التشوّهات. واستخدام أدوية الروماتيزم يجب أن يخضع لقواعد معنية حتى لا تحدث مضاعفات خطيرة على المدى الطويل. لذا ينبغي التشديد على ضرورة أن يخضع العلاج لإشراف الطبيب المتخصص في الروماتيزم وألا يستخدم أي أدوية دون استشارة، إذ إن الخطر كل الخطر في تناول أي عقاقير لا يصفها الطبيب المتخصص، ويتم تعاطيها تحت إشرافه، فكلها بلا استثناء لها آثار جانبية خطيرة، وطبيب الروماتيزم وحده هو الذي يحدد أنواعها وجرعاتها ومدة استعمالها وطرق توقي آثارها الجانبية ومن هذه الأدوية:

1. أدوية التغلب على الآلام والتهابات (غير الكورتوزونية) والغرض من استخدام هذه الأدوية هو تفادي الآثار الجانبية لعقار الكورتيزون.

2. المركبات الكورتيزونية، ولها معايير وحالات معيّنة يجب استخدامها وتعتبر الحل الوحيد لحماية المفصل وفي بعض الأحيان حماية حياة المريض نفسه مثل استخدامها في حالات مرض الذئبة الحمراء (القناع الأحمر) عند تطوره وإصابة الكلية أو الرئة أو المخ نفسه، وحالات مرضى روماتيزم الأوعية الدموية، ولكن يجب أن يكون الوصف للجرعة بواسطة الطبيب المختص، حيث يمكن تقدير الجرعة ووصف مضادات وموانع حدوث الأعراض الجانبية لهذا العقار، في حالة وصفه بجرعة أكبر من 7.5 مجم يومياً.

3. الأدوية التي تتحكم في مسار بعض الأمراض الروماتيزمية مثل أدوية الملاريا (بلاكونيل) أملاح الذهب (مايو كرايسين ) عقار دنيبنبسلامين – السلفاسلازين – أدوية المناعة (مثل الميثوتريكسات)، وحديثاً عقاقير الأجسام المناعية التي تضاد الأجسام المسئولة عن حدوث الخلل في الجهاز المناعي لمرض التهابات المفاصل الناتج عن خلل الجهاز المناعي، والتي تحد بشكل ملحوظ من جرعات الكورتيزون وأيضاً الأدوية المناعية.

رابعاً: العلاج الجراحي: في بعض الحالات القليلة التي لا تستجيب إلى برنامج العلاج أو تهمله أو نتيجة لعلاج خاطئ مبني على تشخيص خاطئ، أو أنواع التهابات المفاصل الروماتيزمية التي تتسم بالعنف المتزايد السريع في التهام المفاصل (مثل نوع الروماتيد الأوروبي والسائد معظمه في البلاد الإسكندنافية) وغير الشائع في أنواع مرضى منطقة الشرق الأوسط، وأمثلة لهذه العمليات:

عمليات استئصال الغشاء السيلوفاني للمفاصل الزلالية – عمليات استبدال المفاصل المتآكلة بمفاصل صناعية – عمليات نقل أوتار العضلات – عمليات تسليك الأعصاب الطرفية المختنقة بسبب تضخم والتهاب وارتشاخ القناة التي يمر بها بالمفصل الملتهب – وحديثاً عمليات زرع الخلايا بالغضاريف وعمليات زرع الغضاريف الصناعية.

الطب الطبيعي والتأهيل :

يعتبر الطب الطبيعي والتأهيل علاجاً فعَّالاً لا يمكن الاستغناء عنه في علاج الأمراض الروماتيزمية وإصابات المفاصل والعضلات والأربطة والعظام وذلك بأن يقوم الطبيب المختص بوضع برنامج العلاج الطبيعي الملائم لكل مريض على حدة ووصف الأجهزة اللازمة لكل جزء مصاب (أو نشط) والوقت اللازم لها وطريقة استخدامها وتوجيه أخصائيي وفنيي العلاج الطبيعي لذلك مع وضع طريقة التدليك الطبي إذا لزم ذلك (كمرض تيبس العضلات وأمراض وتشوهات وتيبس العمود الفقري) كما يقوم بوصف برنامج التمرينات العلاجية المدرج لكل مريض على حدة ولذا ارتبط بتخصص الروماتيزم.

حيث إن برنامج العلاج الطبيعي لكل مريض له مقاييس ومعايير طبية بحتة ويرتبط العلاج والبرنامج التأهيلي بتقييم جميع أجهزة وأعضاء الجسم فمثلاً حالات مرض تيبس العمود الفقري الأنكيلوزينج (Ankylosing Spondylitis) يمكن أن تتطور وتؤدي إلى تيبس مفاصل ضلوع الرئة لذا يقل حجم تمدد الرئتين ويصاب المريض بنوبات متكررة من الالتهاب الشعبي.

ويجب بالإضافة إلى برنامج العلاج الطبيعي للعمود الفقري والمفاصل الطرفية (في حالة إصابتها بالتيبس في مراحل متقدمة) أن يضاف برنامج علاج طبيعي وتمرينات علاجية لتقوية عضلات التنفس وزيادة سعة الصدر وبالتالي زيادة سعة وتمدد الرئتين فيمتنع أو يقل حدوث التهابات الرئة الشعبية وأيضاً هذا المرض يمكن أن يصاحب بإصابة في صمام الشريان الأورطي (ارتجاع).

لذا يجب عمل برنامج تدريبي حسب كفاءة القلب ويقوم الطبيب أيضاً بوصف بعض الجبائر التعويضية في الحالات التي يجب لها ذلك مثل جبائر الرقبة لحالات الروماتويد المتأخرة أو المهملة في العلاج واتي تصاب بانزلاق بين المفصل المحوري العنقي ووصف جبائر وأجهزة تعويضية لإراحة مفاصل الأصابع واليدين والكاحلين والركبتين.

ويكون نتيجة برنامج العلاج الطبيعي والتأهيل وتنفيذه بأيدي أخصائيين وفنيين متخصصين، أن تقل وتتأجل احتمالات حدوث التشوهات بالمفاصل والبعد عن التدخل الجراحي كما تقل جرعات الأدوية المستخدمة بتكاليفها الباهظة ومضاعفاتها وتكاليف متابعة هذه الأدوية من تحاليل وفحوصات أخرى.

الروماتيزم أو طب العظام ونظرة تفاؤل إلى المستقبل :

يجدر بالذكر هنا أن تخصص الروماتيزم والتأهيل قد بدأ بالبلاد الاسكندنافية ثم بقية البلاد الأوروبية وبخاصة ألمانيا الغربية ثم الولايات المتحدة الأمريكية وبدأ في مصر في أوائل الستينيات وانتشر إلى سائر الدول العربية في العشر السنوات الأخيرة.

ويجب أن يملأنا التفاؤل باستمرار في المستقبل القريب بإذن الله فربما يتوصل العلماء والطب الحديث إلى علاج قاطع ونهائي لمعظم الأمراض الروماتيزمية والدلائل مبشِّرة حتى الآن بوجود نسبة نجاح ملموسة في التجارب الحالية والتي تجرى منذ أكثر من عشر سنوات لعلاج معظم الأمراض الروماتيزمية والتهابات المفاصل عن طريق الجينات الوراثية ومضادات الأجسام المناعية الطبيعية.

مع أطيب تمنياتي القلبية بالصحة والسعادة على الدوام