خيبر ذات الحصون والنخيل

خيبر ذات الحصون والنخيل


موقع مكتبة الحج

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الفصل الأوّل

موقع خيبر وتأريخها

موقع خيبر :

تقع خيبر شمال المدينة المنوّرة ، على نحو (160) كيلاً . ويشقّ خيبر الطريق المزفّت ، بين المدينة المنوّرة وتبوك . ومنها إلى تبوك نحو (544) كيلاً . والطريق التي تمرّ في خيبر تستمرّ إلى تبوك فعمّان فدمشق ، فإلى تركية .

تاريخ خيبر :

من نافلة القول : إنّ خيبر وجدت بهذا التكوين ، منذ أن خلق الله السماوات والأرض . غير أنّ تاريخها الموغل في القدم لم يصل إلينا إلاّ في إيحاءات ، واستنتاجات ، لم تستند على مصادر موثوقة . فلا شكّ أنّها كانت تحت نفوذ ثمود قوم صالح (عليه السلام) ، ثمّ دانت للدولة اللحيانية ، التي كانت قاعدتها ما يعرف اليوم بالعلا (وادي القرى قديماً) والتي تبعد عن خيبر (142) كيلاً شمالاً غربياً ، ثمّ دخلت تحت  نفوذ العماليق ، الذين حكموا الحجاز والشام زمناً طويلاً .

وكان من ملوكهم : أبيجاد ، وهوّز ، وحطّي ، إلى آخر الأسماء ، التي اتّخذت منها حروف (الجُمَّل) . وبعد هذه الدولة أو هذا الشعب (العماليق) ، توزّعت (البلاد العربية بين نفوذ الامبراطوريات : الفارسية ، والرومانية ، واليمنية (في عنفوان التّبابعة) ولاشكّ أنّ خيبر ظلّت تدين لمن تدين له المدينة المنوّرة ، وأنّها كانت جزءاً لا يتجزأ من هذه المنطقة التي تتوسّطها المدينة .

طروء اليهود على شمال الحجاز :

في زمن يختلف المؤرِّخون في تحديده ; لأنّه غير موثّق ، ويخضع للروايات الإسرائيليّة ، طرأ على هذه البلاد شعب غريب ، هم اليهود .

قالوا : إنّهم بقايا جيش أرسله نبيّ الله موسى (عليه السلام) ، ويروّجون لأمر نبيّ الله . موسى منه براء ، ولا نريد إيراده .

وقالوا : بل جيش أرسله يوشع .

وقالوا : بل هم الفرار من غزوة بختنصّر ، الذي دمّر دولتهم ، وسباهم إلى العراق .

والأقوال في هذا الموضوع كثيرة ، وإنّما الذي يهمّنا هذا القول : إنّ اليهود احتلّوا شمال الحجاز : تبوك ، وتيماء ، ووادي القرى ، وخيبر ، حتّى استوطنوا المدينة النبويّة ، وصاهروا العرب ، وراضعوهم ، وأتقنوا لغتهم ، وتسمّوا بأسمائهم .

في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

أرسل الله رسوله محمّداً بالهدى ودين الحقّ ، فأنذر قومه ، وبلّغهم رسالة ربّه ، ولم يألو جهداً في نصحهم ، والبرّ بهم ، غير أنّ قريشاً منها من آمن ومنها من كفر ، ممّا اضطرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلى الهجرة إلى المدينة المنوّرة . فوصل إليها في السنة الأولى من الهجرة سنة 622م .

لكن اليهود ناصبوه العداء، وظاهروا عليه كفّار العرب، وتآمروا مع الأحزاب.

فحمل عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمؤمنين ، فأجلاهم عن المدينة ، قبيلة إثر قبيلة ، فمنهم من ذهب إلى الشام ، ومنهم من انضمّ إلى يهود خيبر ، ونزل معهم ، وتناصروا معهم ضدّ الدعوة الإلهية ، ونابذه رجال منهم بالأذى والأشعار الهجائية ، فتسلّط عليهم العرب بالقتل ، بإذن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

بدء الحرب مع يهود خيبر :

1. سرية قتل كعب بن الأشرف :

وبدأت المناوشات مع يهود خيبر بأن انتدب نفر من الأنصار رضي الله عنهم لقتل كعب بن الأشرف اليهودي ، وسبب ذلك أنّ كعباً كان يحرّض ضدّ رسول الله ويقول الأشعار الحماسية ، ويثير الثارات فدعا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً : (اللّهمَّ اكفني ابن الأشرف بما شئت) في إعلانه الشرّ وقول الأشعار ، ثمّ قال : من لي بابن الأشرف فقد آذاني ؟ فقال محمّد بن مسلمة : أنا به يا رسول الله ، وأنا أقتله .

فقال : افعل وشاور سعد بن معاذ في أمره .

فقتلوه وحملوا رأسه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان مقتله في الرابع عشر من ربيع الأوّل من السنة الثالثة للهجرة[1] .

2. سرية عبدالله بن عتيك إلى أبي رافع :

ثمّ سرية عبدالله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحُقيق النضري ، في شهر رمضان سنة ست من مهاجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قالوا : كان أبو رافع بن أبي الحُقيق قد أجلب في غطفان ، ومن حوله من مشركي العرب ، فكثر شرّه ، واجتمع له عدد منهم ، فبعث رسول الله عبدالله بن عتيك ونفراً من المسلمين فقتلوه[2].

وقال حسّان بن ثابت الأنصاري يمدح هذا الفعل الجهادي :

لله دَرّ عصـابة لاقيـــتهم       يا ابن الحقيق وأنت ياابن الأشرف

يسيرون بالبيض الخفاف إليكم        مــرحا كأسد في عرين مغرف

حتّى أتوكم في محلّ بلادكـم         فسقـــوكم خنقاً ببيض دفف

3. فتح خيبر :

في السنة السابعة للهجرة = 629 م في شهر جمادى الأولى[3] ، ويتوّج (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الأعمال الخفيفة في ظاهرها ، القاصمة في نتائجها ظهور أعداء الله ورسوله ، يتوّجها بفتح عظيم يقضي به على بؤرة الفساد ، ويدكّ حصون بني صهيون ، فلا تقوم لهم بعده قائمة أبداً ، فيسير إليهم ، في السنة السابعة من الهجرة في شهر جمادى الأولى ، فحاصرهم وقاتلهم حتّى استولى على حصونهم وضياعهم ، وكانت لهم حصون منيعة إلاّ من الله ، ومن تلك الحصون : النطاة ، وناعم ، وحصون الكتيبة مثل : القموص والوطيح وسلالم ، وقتل منهم عدداً كثيراً وسبا وغنم ، وتزوّج صفية بنت حيي بن أخطب .

ويحدّثنا ابن هشام : أنّ بعضهم أسلم في المدينة ، وأسلم بعضهم في خيبر ، ويصف مسيره إليهم من المدينة ، فيقول : ثمّ خرج في بقيّة المحرّم إلى خيبر . .

واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله اللّيْثي ، ودفع الراية إلى عليّ بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) وكانت بيضاء .

ورجز عامر بن الأكوع ـ بأمر من رسول الله ـ بين يديه وهو سائر :

والله لولا الله ما اهتدينا          ولا تـصدّقنا ولا صلّينا

إنّا إذا قـوم بغوا علينا          وإن أرادوا فتنة أبينا[4]

فانــزلن سكينة علينا         وثبـت الأقدام إن لاقينا

فلمّا أشرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على خيبر ـ وكانت تسمّى قرية الحجازـ قال : اللّهمّ ربّ السماوات وما أظللن ، وربّ الأرضين وما أقللن ، وربّ الشياطين وما أضللن ، وربّ الرياح وما أذرين ، فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها ، أقدموا بسم الله ، وكان يقوله ا(صلى الله عليه وآله وسلم) لكلّ قرية دخلها .

وصبّح رسول الله بجيشه خيبر ، فكبّر ، قائلاً : الله أكبر خربت خيبر ، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المُنذرين .

يقول ابن إسحاق[5] : ثمّ أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى نزل بواد يقال له الرجيع ، وتدنّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأموال يأخذها مالاً مالاً ، ويفتحها حصناً حصناً ، فكان أوّل حصونهم افتُتح حصن ناعم ، وعنده قُتل محمود بن مسلمة .

قتل مرحب اليهودي (الحِمْيَري) :

قال ابن إسحاق : ولمّا افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسُلالم ، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحاً ، فحاصرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بضع عشرة ليلة .

خرج مرحب اليهود من حصونهم ، وهو يقول : من يبارز ؟

قال ابن هشام : ومرحب من حِمْير .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : مَن لهذا ؟ قال محمّد بن مَسْلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله الموتور الثائر ، قُتل أخي بالأمس ; فقال : فقم إليه ، فقام إليه محمّد بن مسلمة ، فقتله .

فخرج بعده أخوه ياسر ، فخرج إليه الزبير بن العوّام ، فقتله [6] .

فاستعصى حصن على الفتح[7] ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرّار . قال : يقول سلمة ، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه الصلاة والسلام) وهو أرمد ، فتفل في عينه ، ثمّ قال : خُذ هذه الراية ، فامض بها حتّى يفتح الله عليك .

قال : يقول سلمة : فخرج والله بها يأنح ، يهرول هرولة ، وإنّا لخلفه نتبع أثره ، حتّى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن ، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن ، فقال : مَن أنت ؟ قال : أنا عليّ بن أبي طالب . قال : يقول اليهودي : علوتم ، وما أنزل على موسى ، أو كما قال . قال : فما رجع حتّى فتح الله على يديه .

قال ابن إسحاق : حدّثني عبدالله بن الحسن ، عن بعض أهله ، عن ابن رافع ، مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : خرجنا مع عليّ بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) ، حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من اليهود ، فطاح ترسه من يده ، فتناول عليّ(عليه الصلاة والسلام) باباً كان عند الحصن ، فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح الله عليه ، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ ، فلقد رأيتني في نَفَر سبعة معي ، أنا ثامنهم ، نَجْهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما نقلبه .

مصالحة الرسول أهل خيبر :

وحاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم ، حتّى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيّرهم ، وأن يحقن لهم دماءهم ، ففعل . وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حاز الأموال كلّها : الشّق ونَطاة والكتيبة وجميع حصونهم ، إلاّ ما كان من ذينك الحصنين .

فلمّا سمع بهم أهل فَدَك قد صنعوا ما صنعوا . بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه أن يسيّرهم ، وأن يحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل . وكان فيمن مشى ، فلمّا نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها ; فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف ، على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ; فصالحه أهل فدك على مثل ذلك . فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين ، وكانت فدك خالصة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب .

قال معدّ البحث : كان صلح أهل خيبر على الثمرة فقط ، أمّا صلح أهل فدك ، فكان على الأرض والثمرة .

وفي سيرة ابن هشام 3 : 341 : كان فتح خيبر في صفر .

قلت : وهو أقرب إلى الصواب ; لأنّه خرج (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة في شهر المحرّم سنة سبع للهجرة ، كما تقدّم .

عَمَالة خيبر :

خيبر كما تقدّم في فتحها ، وكثافة سكّانها ، ويذكر المؤرِّخون ، ومنهم ياقوت : إنّها ولاية. ومن المؤكّد أنها كانت تتبع المدينة المنوّرة عبر عصور الجاهلية والإسلام.

ولكن ما بين يدي من مراجع ، لا يذكر شيئاً عن ولاية وولاة خيبر . والمعتقد أنّها كانت كأقسام الجزيرة ، كان يكتفَى منها بالحاصلات الشرعية كالزكاة ، ونحو ذلك ، وأنّ هذا كان يقوم عظيم المنطقة بموجب شيء معيّن يؤدّيه كلّ سنة .

فما استقام به استقام أمره ، وسترى فيما يلحق خمول ذكر خيبر ، ولم نجد أنّ أميراً من الحجاز ، أو من المدينة خاصّة جيّش على خيبر .

ثمّ خبأ ذكر خيبر :

فلم نجد لها ـ بعد الخلفاء ـ ذكراً ، إلاّ إلمامات لا تكاد ترى . وهذا في نظري ، يعود إلى عوامل ، منها :

1. وجود خيبر في معزل عن طريق الحجّاج ، الذين غالب ما ينبه ذكر البلاد التي يمرّون بها ، فطريق العراق يمرّ شرقها بعيداً ، والدرب الشامي يمرّ غربها ، وبينها وبينه جبال وأودية .

2. إنّها منطقة وعرة ، لا يوصل إليها ـ آنذاك ـ إلاّ بمشقّة ، وقد انقطعت ريادة الريف .

3. عدم وجود والي لها ، يذكره مؤرِّخو المدينة ، أو تثور بينه وبين أهل خيبر منازعات .

4. يبدو أنّ أهلها ليسوا سريعين إلى نجدة الأمراء في حالة حربهم كبيشة وزهران ، وحرب ، وغيرهم ، فلم يرد لهم اسم في الحروب . أمّا القبائل فإنّ اسمهم إذا ورد ، فإنّما يرد باسم القبيلة لا البلد . حتّى في العهد الحديث ، لم يتحرّك اسم خيبر حتّى زارها بعض الدارسين ، ومرّ فيها الطريق بين المدينة والشام .

بعد إتمام هذا البحث ، وردت إليّ معلومات عن بعض ولاة لخيبر ، سأثبتها في الأصل .

فَدَك [9] :

هي إحدى القرى المهمّة في منطقة خيبر ، ولها نصيب من وصف خيبر ، من استولى على خيبر استولى عليها .

قال ابن شبة : بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا ، فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحقن دماءهم ويسيّرهم . ففعل ، فسمع بذلك أهل فدك ، فنزلوا على مثل ذلك ، فكانت للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خالصة ; لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب[10].

وقال ابن إسحاق : لمّا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خيبر ، قذف الله في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر ، فبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصالحونه على النصف من فدك ، فقدمت عليه رسلهم بخيبر ، أو بالطريق ، أو بعدما قدم إلى المدينة ، فقبل منهم . فكانت فدك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خالصة ; لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فهي من صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فالله أعلم على النصف صالح أهلها أم عليها كلّها ، فكلّ ذلك قد جاءت به الأحاديث .

الفصل الثاني

جغرافية خيبر وسكّانها

خيبر محافظة من محافظات المدينة ، اليوم ، وكانت ولاية من ولاياتها كما تقدّم . تقع خيبر في منطقة جبلية ، يتكوّن جلّها من الحرار السود ، وفي الشمال عدد من الجبال الشوامخ ، وتتوسّط قاعدتها قرى الحرّة ، المعروفة بحرّة خيبر ، وتقع القاعدة ، وتسمّى الشُّريف أو قرية بشر ، على بُعد (160) كيلاً من المدينة المنوّرة شمالاً على الطريق الذاهب إلى الشام .

وتتبعج من هذه الحرار العيون الغزيرة الماء ، فتجري في أودية صالحة للزراعة ، يغرس فيها النخيل ، وتجود بالتمر الذي كان يوماً مثوبة للناس في تلك الديار .

تقدّر عيون خيبر بمائة وثمانين عيناً ، تسقي نحو ثلاثة ملايين نخلة ، عدا زراعات أُخر ، كان أهمّها الشعير ، وقد زرعت اليوم زراعات كثيرة ، منها الخضار ، لبيعها في المدينة بعد تحسّن المواصلات .

التكوين الجغرافي لخيبر[11] :

1. الحرّة :

حرّة خيبر حرّة واسعة تتخلّلها الأودية ، التي تجعل منها حراراً عديدة ذات أسماء متفرّقة ، وتبدأ هذه الحرّة من مشارف الصويدرة والشقرة في الجنوب عند طريق المدينة إلى القصيم ثمّ تمتدّ شمالاً . وكانت هذه تسمّى حرّة النار ، فتمرّ بالصلصلة وخيبر ، ثمّ شرق سلاح إلى أن تنتهي بضرغط شمال شرقي سلاح وكان القسم الشرقي الشمالي منها يسمّى حرّة ليلى .

وتسيل مياه هذه الحرة في ثلاث جهات :

[أ] شرقاً في وادي الرمة . كأودية : الحائط (فدك قديماً) والحويّط (بديع قديماً) والحليفة .

[ب] جنوباً كأودية : نجار (وادي الصويدرة) والشقرة ، ووادي الحناكية (نخل قديماً) .

[ج] أودية خيبر ، وهذه أفردنا لها فصلاً فيما يتبع .

وكانت خيبر سوقاً من أسواق العرب في الجاهلية تحت حماية قبيلة غطفان .

وتشمل اليوم مكاناً إدارياً يمتدّ من مشارق الصلصلة جنوباً إلى حفيرة الأيدا شمالاً ، وتضمّ في الشرق الحائط والحويط ، وغرباً برمة وما حولها .

أودية خيبر :

الأودية الرئيسية التي تتكوّن منها أمارة خيبر[13] هي ستّة أودية ، وهي من الجنوب إلى الشمال :

1. وادي الغَرَس : بفتح الغين المعجمة ، والراء المهملة : واد يأخذ أعلى مساقط مياهه من جنوب الحرة ومن جبلي أشْد ثمّ يتّجه شمالاً . فإذا مرّ عند البحرة المتقدّمة سمّي وادي الثمد وقد يسمّى وادي الدوم ، ثمّ ينحرف غرباً مارّاً بقرية زَبَران جاعلاً الصهباء بينه وبين الشريف قاعدة خيبر ، ثمّ يدفع في المجامع حيث تصبّ كلّ أودية خيبر .

2. وادي السلمة : واد ليس كبيراً ، ينشأ من قرب الطريق ، ثمّ يمرّ بين عطوة (الصهباء) جنوباً والشريف شمالاً ، وفيه بلدة (مكيدة) ثمّ يتّجه غرباً إلى المجامع .

3. وادي الصوير : أحد الأودية الزراعية الرئيسية ، يمرّ تحت الشريف من الشمال آتياً مطلباً من بعيد ، وهو كثير العيون والنخيل ، وقيل : إنّ ما يقرب من 50% من نخل خيبر هو في هذا الوادي ، يذهب مغرباً فيتجمّع بسابقيه في المجامع .

4. وادي أبي وشيع : واد يقرب من وادي الصوير في كثرة النخل والمياه سمّي بالقرية الرئيسية فيه ، يقطعه الطريق بعد الصوير مباشرة شمالاً بينهما حرّة ممتدّة بامتدادهما من الشرق إلى الغرب ، ثمّ يعانق سابقاته في المجامع .

5. وادي المضاويح : قليل القرى والمزارع يقطعه الطريق شمال أبي وشيع ، وفي صدره قرية العين ليست بعيدة من الطريق يميناً ، لها ذكر في محطّات الطريق قديماً ، وهو أيضاً يجتمع مع السابقة . وأظنّه سمّي لبياض تربته ; لأنّ الضحية عند العرب البياض أو الضوء .

6. وادي الزهيراء : من أطول أودية خيبر مدى ومن أقلّها خصباً ، يأتي من الأطراف الجنوبية للجانب متّجهاً جنوباً حتّى يصل إلى بلدة (العشاش) سلاح قديماً ، ثمّ يأخذ في الانحراف جنوباً غربياً حيث يقطعه الطريق بين العشاش والشريف ، وقد تسمّيه العامّة وادي غَمْرة ; لأنّ جبل غَمْرة ; يشرف على العشاش من الجنوب . ومن روافد هذا الوادي وادياً يمن وجبار الآتي ذكرهما .

وإذا اجتمعت أودية خيبر في المجامع تكوّن وادي الطّبْق : واد فحل كثير الروافد تقع فيه آثار برمة ، يستمرّ مغرباً من خيبر حتّى يدفع في وادي الحمض (إضم) ولا صحّة للقول : إنّ هذه الأودية تذهب إلى وادي القرى ، أو أنّ مياه الحرّة الغربية تذهب إلى هناك ، ولا تقربه كما أشار بعض الباحثين ، فجميع المياه المنحدرة من الحرّة غرباً ، أو من سلسلة حَجَر الواقعة غرب العشاش ، تتحوّل إلى هذا الوادي الفحل ثمّ تصبّ في إضم . ومن تلك الأودية وادي الصحن ، الذي يمرّ الطريق به بين خيبر والعلا ، أمّا وادي القرى ، فأوّل سيول تتّجه إليه من الشرق هي  سيول الهضب الآتي ذكره ، والذي يبعد من هنا قرابة تسعين كيلاً .

القرى الرئيسيّة في خيبر :

تتكوّن خيبر من قرى عديدة أهمّها : الشُّريْف ، وقد تقدّم الحديث عنها ، ثمّ أبو وشيع ، ومكيدة وزَبَرَان ، والعين ، والعِشَاش ، وسيأتي الحديث عنها .

ونظراً لافتراق أودية خيبر في رؤوسها ، واجتماعها في مصابّها ، فقد أطلقنا عليها اسم “التاج الخيبري”.

إذا ألقيت نظرة على أودية خيبر ألفيتها تشبه التاج في تكوينها ، فوادي الغرس ـ كما تقدّم ـ يأتي من الجنوب متّجهاً شمالاً ثمّ يعدل إلى الغرب ، ووادي الزهيراء يأتي من الشمال متّجهاً جنوباً ، ثمّ يعدل غرباً وهما يكوّنان طرفي التاج ، وواديا الصوير وأبي وشيع يسيران في الوسط فيشبهان رأس التاج ، ثمّ وادي السلمة ووادي المضاويح وهما كالضلعين القصيرين في التاج ، ثمّ تجتمع هذه الأودية جميعها في المجامع كقاعدة التاج .

سكّان خيبر :

كأيّ بلدة عريقة لها ضواحي كثيرة يكون سكّانها مزيجاً من الحضر والبدو ، فالسكّان الذين لهم الاسم والشهرة هما قبيلتا عنزة وبني رشيد ، فالأولى تمتلك جلّ نخيل خيبر وتمتدّ ديارها من جنوب خيبر إلى الجناب فتيماء ثمّ مشرقة إلى قرب حائل ، والثانية تمتدّ ديارها من شمال المدينة شاملة جلّ الحرار حيث لها الصلصلة والبحرة ومارّة شرق نخيل خيبر إلى جبل جرس ثمّ شمالاً شرقياً إلى حرّة ضرغط ، مائلة شرقاً على فروع وادي الرمة ، ولها هناك الحائط والحويط والحليفة . أمّا السكّان الحضر في قرى خيبر فجلّهم من السود المولدين .

وإليهم العناية بتلك النخيل كالتأبير والسقي والجداد ، فصاروا بيوتاً لها أسماء وأنساب ، وأصبحوا يشاركون الملاّك في المزارع على نظام المعامر المعروف في الحجاز .

ونوع آخر كثر في هذا العهد يتكوّن من الوافدين المستوطنين كالتجّار وموظّفي الدولة وغيرهم ، وقد فضّل بعضهم الإقامة الدائمة هنا ، وصارت لهم ضياع وأملاك . وكان خيبر ـ من قديم الزمن ـ مشهوراً بحمى الملاريا التي كانت تفتك بالسكّان غير أنّ سود البشرة لديهم مناعة طبيعيّة ضدّ الحمى . وكان العرب الأقدمون إذا أمّ أحدهم خيبر عَشر كما يُعشّر الحمار ، اعتقاداً منهم أنّ من يفعل ذلك لا تصبه الحمى ، غير أنّ بعضهم كان يأنف ذلك ويرفضه .

مساحة خيبر :

من السير على هذه الطريق ، واستعلام أهل الخبرة من السكّان . تقدّر مساحة خيبر (المحافظة) بنحو (160) كيلاً طولاً ، من الجنوب إلى الشمال ، ولعلّها في نحو (100) كيل عرضاً من الشرق إلى الغرب ، أي أنّ مساحة محافظة خيبر تقارب (16000) ستّة عشر ألف كيل .

الفصل الثالث

الآثار في خيبر

أولاً : المساجد :

1. مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين افتتح خيبر : جاء في معجم البكري ـ خيبر ـ : مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان طول مقامه بخيبر يصلّي فيه ، وبنى عيسى بن موسى هذا المسجد ، وأنفق عليه مالاً جليلاً ، وهو على طاقات معقودة ، له رحاب واسعة ، وفيه الصخرة التي صلّى إليها(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد تقدّم فيما أحلناه على معجم البكري . قال ذلك فيما نقله عن السكوني .

2. مسجد عليّ (عليه الصلاة والسلام) : لازال ماثلاً يصلّى فيه تحت الحصن ، الذي فتحه عليّ (عليه الصلاة والسلام) ، والشيعة يزورونه . . .

3. مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بسفح الصهباء ، حيث بنى بصفية مرجعه من خيبر ، وهذا قد اندثر اليوم .

4. مسجد : لم تبقَ إلاّ آثار ، بجوار سد الحصيد ، ذكر في القرى الأثرية التالي ذكرها ، ولا أعتقد أنّ له علاقة بفتح خيبر ، ولا زمنه ، وذلك أنّه بعيد عن المكان ، الذي جرت فيه المعارك .

ثانياً : الحصون : الحصون المشهورة في خيبر ، والمعروفة إلى يومنا هذا ، هي :

1. حصن النطاة .

2. حصن ناعم .

3. حصن الشّق .

4. حصون الكتيبة ، ومنها :

[أ] القموص .        [ب] الوطيح .        [ج]  سلالم .

5. حصن الصَّعب بن معاذ .

ومن هذه الحصون ، ما هو قائم ، شبه صالح للعمل ، ولكن بأسها واستعمالها أذهبه الله منذ افتتاحها .

ثالثاً : القرى الأثرية ، والمآثر ، والسدود :

من القرى ذات الأثر في خيبر :

1. قرية مكيدة .

2. قرية زبران .

3. قرية الشُّريف نفسها ، قاعدة خيبر .

4. هناك كثير من الآثار في جنبات الحرار ، وبين الحصون ، وبعضها يشبه القرى ، ولكن لا تعرف أسماء كثير منها . وهي تحتاج إلى مسح من دائرة الآثار ، وتحتاج إلى وجود أدلاّء متمكِّنين ، يدلّون الباحث والسائح على الآثار .

5. وغير بعيد غرباً من خيبر : آثار بُرْمة ، وهي تابعة لخيبر ، وكانت قرية داثرة ، فيها آثار المباني وأفلاج العيون ، ثمّ أُحييت في العهد الحالي .

6. قرية سلاح : وتعرف اليوم بالعشاش ، كانت داثرة ، فأحياها الشيخ فرحان الأيدي ، وشيخ ولد علي من عنزة ، وعياله فيها اليوم ، منهم فهد بن فرحان المذكور ، فيها فُلُج ظاهرة ، يحاولون إحياءها .

7. وهناك ما يمكن أن يسمّى (قرية أثرية) ، ذلكم هو (سد الحصيد) وما حوله من آثار منها : قصر البنت ، قلعة مهدّمة ، ومسجد ، وآثار متناثرة ذكرها سنت فلبى في رحلة (أرض الأنبياء) .

وكلّ هذه الآثار تقع في وادي يسمّى : وادي الحصيد ، أحد فروع وادي الثمد ، الذي هو جزء من وادي الغرس أحد أودية خيبر الرئيسيّة .

الفصل الرابع

خيبر في عصرنا الحالي

خيبر في العصر الحالي :

أولاً : المحافظة :

(1) حدودها : تمتدّ محافظة خيبر كما تقدّم من جنوب قرية الصلصلة على (118) كيلاً شمال المدينة المنوّرة ، إلى ما وراء حفيرة الأدى شمالاً وتقدّمت مساحتها توّاً .

(2) عدد مراكزها : يتبع محافظة خيبر عدد من المراكز ، وأهمّها : مراكز الحائط (فدك قديماً) . ومركز الصلصلة ، المتقدّمة . ومركز العشاش (سلاح قديماً) . ومركز آخر لعلّه في برمة .

ثانياً : الدوائر الحكومية في محافظة خيبر :

محكمة شرعية ، وأشراف من وزراء المعارف ، وآخر من تعليم البنات ، ومندوبية زراعية ، وشرطة . وجميع المرافق التي تعنى بشؤون الناس والأمن ، وبها مستشفى متوسّط ، ومراكز صحّية عديدة .

وكلّ دوائرها وقطّاعاتها ، تراجع فروع الوزارات المختصّة في المدينة المنوّرة .

ثالثاً : القرى العامرة :

في خيبر نحو خمسين قرية من أهمّها :

1. القاعدة (الشُّريف) فيها جميع الدوائر الحكومية .

2. قرية الصلصلة ، والمتقدّم تحديدها .

3. قرية البحرة ، وهم يسكنون الباء ، بين الصلصلة والشريف .

4. قرية زبران . في وادي الغرس يسار الطريق .

5. العشاش : سلاح قديماً .

6. الحائط : قرية كبيرة في واد يذهب إلى وادي الرمّة . وغيرها من القرى التي أخذت تنمو بسرعة .

7. الحُويّط : يديع قديماً ، قرية عامرة شرق الحرّة .

رابعاً : الزراعة ونشاط السكّان :

يدلّ ما فيها من المزروعات وخاصّة النخيل أنّها بلد خصب كثير المياه ، وأنّ أهلها في الزراعة يتوارثونها كابراً عن كابر .

(1) أنواع المزروعات : أصل الزراعة في خيبر النخل ، ذلك لبعدها وقلّة المواصلات مع المدينة في الزمن السابق ، أمّا اليوم فقد أصبح الزمن بين خيبر والمدينة نحو ساعتين بل أقلّ ، لذا أخذوا يزرعون إلى جانب النخل جميع أنواع الخضار .

(2) عدد العيون الجارية : يقول أهل خيبر : إنّ بها مائة وثمانين عيناً (180) لازالت كلّها جارية .

(3) عدد الآبار الزراعية : لم أجد من أحصى الآبار الزراعية ، غير أنّني في رحلتي إلى هناك قبل نيف وعشرين سنة ، رأيت كثيراً من الآبار في المحافظة (الإمارة آنذاك) وعليها زرائع .

(4) عدد النخيل : يتوارث الناس ، ومنهم أهل خيبر أنّ بخيبر ثلاثة ملايين نخلة . ولم أرَ إحصاءً يركن إليه ، وأعتقد أنّ العدد أقلّ من هذا ، ولكنّه كثير كثير[13].

ــــــــ

الهوامش :

[1] رحلات في بلاد العرب ، عن الطبقات ، ج2 ، وسيرة ابن هشام ج3 .

[2] نفس المصدرين السابقين : ج2 ، ج3 ، وسيرة ابن هشام مج3 .

[3] نفس المراجع السابقة .

[4] لم يظهر في هذا البيت جواب الشرط .

[5] سيرة ابن هشام ، غزوة خيبر .

[6] ببعض التصرّف عن ابن هشام ، ج3 .

[7] هو حصن القموص .

[8] المؤلّف : ـ أخذ هذا البحث عن تأريخ المدينة المنوّرة لابن شبة ، وحذفنا العنعنة اختصاراً ، فإن شئت راجع الجزء الأول من المصدر المذكور . وحيدة هنا صوابها مكيدة ، والله أعلم .

[9] تعرف اليوم بالحائط .

[10] تاريخ ابن شبة 10 : 193 .

[11] رحلات في بلاد العرب : 21 .

[12] قبل نظام المحافظات .

[13] وإذ نحن ننتهي من هذه المقالة القيّمة ، التي حازت على جائزة مؤسسة السيّد أمين مدني الرابعة ، في مكّة المكرّمة عام 1422هـ  ، لابدّ لنا من أن نقدّم جزيل شكرنا وتقديرنا للأستاذ المؤرّخ الشيخ عاتق بن غيث البلادي ، الذي طالما تشرفت مجلّتنا بجزء ثمين من عطائه العلمي الوفير .

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثري ساحتنا الإسلامية والعلمية بأمثاله ، وأن يوفّق اُستاذنا المؤرّخ لمزيد من العطاء والجهود العلميّة المثمرة .