دخول الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام إلى مكة

دخول الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام إلى مكة


المصدر كتاب حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما الصلاة والسلام)

لمؤلفه باقر شريف القرشي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبعد ما أعلن الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) رفضه الكامل لبيعة يزيد اتجه مع أهل بيته إلى مكة التي هي حرم الله، وحرم رسوله، عائذا ببيتها الحرام الذي فرض فيه الأمن والطمأنينة لجميع العباد.

لقد اتجه إلى هذا البلد الأمين ليكون بمأمن من شرور الأمويين واعتداءاتهم، ويقول المؤرخون :

إنه خرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (60 هـ) [1] وقد خيم الذعر على المدنيين حينما رؤوا آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينزحون عنهم إلى غير مآب.

وفصل الركب من يثرب، وهو جاد في مسيرته، وكان الإمام (عليه الصلاة والسلام) يتلو قوله تعالى ” رب نجني من القوم الظالمين ” لقد شبه خروجه بخروج موسى على فرعون زمانه، وكذلك قد خرج على طاغية زمانه فرعون هذه الأمة ليقيم الحق، ويبني صروح العدل وسلك الطريق العام الذي يسلكه الناس من دون أن يتجنب عنه، وأشار عليه بعض أصحابه أن يحيد عنه – كما فعل ابن الزبير – مخافة أن يدركه الطلب من السلطة في يثرب، فأجابه عليه السلام بكل بساطة وثقة في النفس قائلا : (لا والله لا فارقت هذا الطريق أبدا أو انظر إلى أبيات مكة، أو يقضي الله في ذلك ما يجب ويرضى..” .

لقد رضي بكل قضاء يبرمه الله، ولم يضعف، ولم توهن عزيمته الأحداث الهائلة التي لا يطيقها أي إنسان، وكان يتمثل في أثناء مسيرته بشعر يزيد بن المفرغ :

لا ذعرت السوام في فلق الصبح        معــــيرا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة المــوت ضيما      والمـنايا ترصدنني أن احيدا [2]

لقد كان على ثقة أن المنايا ترصده ما دام مصمما على عزمه الجبار في أن يعيش عزيزا لا يضام ولا يذل ولا يخضع لحكم يزيد ، ويقول بعض الرواة انه كان في مسيرته ينشد هذه الأبيات :

إذا المرء لم يحـم بنيه وعرسه           ونســــوته كان اللئيم المسببا

وفي دون ما يبقي يزيد بنا غدا          نخـوض حياض الموت شرقا ومغربا

ونضرب كالحــريق مقدما           إذا مـا رآه ضـــيغم راح هاربا

ودل هذا الشعر على مدى عزمه على أن يخوض حياض الموت سواء أكانت في المشرق أم في المغرب ولا يبايع يزيد بن معاوية.

مع عبد الله بن مطيع :

واستقبله في أثناء الطريق عبد الله بن مطيع العدوي، فقال له :

·       أين تريد أبا عبد الله، جعلني الله فداك ؟

·       أما في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله في أمري بعد ذلك .

·       خار الله لك، يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، اني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني .

·       ما هي ؟

·   إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك وأخوك طعنوه بطعنة كادت أن تأني على نفسه، فألزم الحرم فانك سيد العرب في دهرك ” فو الله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك ” .

وشكره الإمام وودعه ودعا له بخير[3] وسار موكب الإمام يجد السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى مكة فلما نظر الإمام إلى جبالها تلا قوله تعالى  وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ  [4] .

لقد كانت هجرته إلى مكة كهجرة موسى إلى مدين، فكل منهما قد فر من فرعون زمانه، وهاجر لمقاومة الظلم ومناهضة الطغيان .

في مكة :

وانتهى الإمام إلى مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان [5] وقد حط رحله في دار العباس بن عبد المطلب [6] وقد استقبل استقبالا حافلا من المكيين، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية، وهم يسألونه عن أحكام دينهم، وأحاديث نبيهم، يقول ابن كثير :

” وعكف الناس بمكة يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه ، ويضبطون ما يروون عنه “[7] لقد كان بجاذبيته الروحية مهوي القلوب ، وندي الأفئدة، وقد حامت حوله النفوس تروي غليلها من نمير علومه التي هي امتداد من علوم جده مفجر العلم والنور في الأرض .

احتفاء الحجاج والمعتمرين به :

وأخذ القادمون إلى بيت الله من الحجاج والمعتمرين من سائر الأفاق يختلفون إليه (8) ويهتفون بالدعوة إليه، ويطوفون حوله، هذا يلتمس منه العلم والحديث، وذاك يقتبس منه الحكم النافعة، والكلم الجامعة ليهتدي بأنوارهما في ظلمات الحياة (9) ولم يترك الإمام ثانية من وقته تمر دون أن يبث الوعي الاجتماعي، ويدعو الى اليقظة والحذر من السياسة الأموية الهادفة إلى استعباد المسلمين وإذلالهم .

فزع ابن الزبير :

وكان ابن الزبير لاجئا الى مكة فرارا من البيعة ليزيد، وقد ثقل عليه اختلاف الناس على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وإجماعهم على تعظيمه وتبجيله وزهد الناس وانصرافهم عنه لأنه لم يكن يتمتع بصفة محبوبة، ولا بنزعة كريمة، يقول زيد بن علي الجذعاني :

” وكانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة لأنه كان بخيلا ضيق العطن [10] سيئ الخلق، حسودا كثير الخلاف أخرج محمد بن الحنفية، ونفى عبد الله بن عباس الى الطائف “[11] ومن مظاهر ذاتياته الشح والبخل، وفيه يقول الشاعر :

رأيت أبا بكر وربك غالب         على أمره يبغي الخلافة بالتمر[12]

وقد عانى الشعب في أيام حكمه القصير الجوع والحرمان، كما عانت الموالي التي بالغت في نصرته أشد ألوان الضيق، وقد عبر شاعرهم عن خيبة أملهم في نصرته يقول :

إن الموالي أمست وهي عاتبة          عـلى الخليفة تشكو الجوع والسغبا

ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا          أي الملوك على من حولنا غلبا[13]

واظهر ابن الزبير النسك والطاعة والتقشف تصنعا لصيد البسطاء وإغراء السذج، وقد وصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) بقوله : ” ينصب حبالة الدين لاصطفاء الدنيا “[14].

ومن المؤكد أنه لم يكن يبغي في خروجه على سلطان بني أمية وجه الله وإنما كان يبغي الملك والسلطان، وقد أدلى بذلك عبد الله بن عمر حينما ألحت عليه زوجته في مبايعته، وذكرت له طاعته وتقواه فقال لها :

” أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحج عليها الشهباء ؟

فان ابن الزبير ما يريد غيرهن ” [15].

وعلى أي حال فان ابن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسين لعلمه بأنه لا يبايعه احد مع وجود الحسين (عليه الصلاة والسلام) لأنه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس على وجه الأرض أحد يساميه ولا يساويه – كما يقول ابن كثير – [16] وأكد ذلك (اوكلي) قال :

إن ابن الزبير كان مقتنعا تماما بان كل جهوده ستضيع عبثا طالما بقي الحسين على قيد الحياة، ولكن إذا أصابه مكروه فان طريق الخلافة سيكون ممهدا له .

وكان يشير على الإمام بالخروج إلى العراق للتخلص منه، ويقول له :

” ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك ؟

فو الله لو أن لي مثلهم ما توجهت إلا إليهم ” [17].

ولم يمنح ابن الزبير النصيحة للإمام، ولم يخلص له في الرأي، وإنما أراد أن يستريح منه، ولم تخف على الإمام دوافعه، فراح يقول لأصحابه :

” إن هذا – وأشار إلى ابن الزبير – ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن اخرج من الحجاز وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له “[18].

ولم تحفل السلطة الأموية بابن الزبير وإنما وجهت جميع اهتمامها نحو الإمام الحسين .

رأي الغزالي :

واستبعد الشيح محمد الغزالي أن ابن الزبير قد أشار على الحسين بالخروج إلى العراق ليستريح منه، قال :

” فعبد الله بن الزبير اتقى الله وأعرق في الإسلام من أن يقترف هذه الدنية “[19].

وهذا الرأي بعيد عن الواقع فان ابن الزبير لم تكن له أية حريجة في الدين فهو الذي أجج نار الفتنة في حرب الجمل وزج أباه فيها، وقد تهالك على السلطان، وضحى بكل شيء في سبيله، وقد كان من أعدى الناس للعترة الطاهرة، ومن كان هذا شانه فهل يكون تقيا وعريقا في الإسلام ؟

رأي رخيص :

من الآراء الرخيصة ما ذهب إليه أنيس زكريا المعروف بنزعته الأموية إن من أهم الأسباب التي أدت إلى قتل الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) تشجيع ابن الزبير له في الخروج إلى العراق، فقد كان له أثره المهم في نفسه [20] وهذا القول من أهزل الآراء فان الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) لم يتأثر بقول ابن الزبير، ولم ينخدع بتشجيعه له، وإنما كانت هناك عوامل أخرى حفزته إلى الخروج إلى العراق، وقد ذكرناها بالتفصيل في البحوث السابقة .

فزع السلطة المحلية :

وذعرت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام إليها، وخافت أن يتخذها مقرا سياسيا لدعوته، ومنطلقا لإعلان الثورة على حكومة دمشق ، وقد خفت حاكم مكة عمرو بن سعيد الاشدق وهو مذعور فقابل الإمام ، فقال له :

·       ما أقدمك ؟

·       عائذا بالله، وبهذا البيت..[21].

لقد جاء الإمام عائذا ببيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا ، وكان محصنا من كل ظلم واعتداء .

ولم يحفل الاشدق بكلام الإمام وإنما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علما بمجيء الإمام إلى مكة، واختلاف الناس إليه، وازدحامهم على مجلسه، وإجماعهم على تعظيمه، وأخبره إن ذلك يشكل خطرا على الدولة الأموية .

قلق يزيد :

واضطرب يزيد كأشد ما يكون الاضطراب حينما وافته الأنباء بامتناع الحسين عن بيعته وهجرته إلى مكة، واتخاذها مركزا لدعوته، وإرسال العراق الوفود والرسائل إلى الدعوة لبيعته، فكتب إلى عبد الله بن عباس رسالة، وهذا نصها :

” أما بعد :

فان ابن عمك حسينا، وعدو الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكة مرصدين للفتنة، معرضين أنفسهما للهلكة، فأما ابن الزبير فانه صريع الفنا، وقتيل السيف غدا، وأما الحسين فقد أحببت الأعذار إليكم أهل البيت مما كان منه، وقد بلغني أن رجالا من شعيته من أهل العراق يكاتبونه، ويكاتبهم، ويمنونه الخلافة، ويمنيهم الامرة ، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام ، وقد قطع ذلك الحسين، وبته، وأنت زعيم أهل بيتك، وسيد بلادك ، فالقه فاردده عن السعي في الفتنة، فان قبل منك وأناب فله عندي الأمان، والكرامة الواسعة، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه وإن طلب الزيادة فاضمن له ما أديك، وأنفذ ضمانك، وأقوم له بذلك وله علي الإيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة بما تطمئن به نفسه، ويعتمد في كل الأمور عليه، عجل بجواب كتابي، وبكل حاجة لك قبلي والسلام وختم كتابه بهذه الأبيات :

يا أيها الراكب العـادي مطــيته        على غذافرة في ســـيرها فحم

ابلغ قريشا على ناي المـزار بهــا       بيني وبين الحسين الله والـــرحم

وموقف بفنا البيــت أنشــده         عهد الاله غدا وما تـوفي به الذمم

عنيتم قومكم فخرا بأمكــــم        أم لعمري حصــــان عفة كرم

هي التي لا يداني فضلها أحـــد       بنت الرسول وخير الناس قد علموا

إني لأعلم أو ظنا كعـــالــمه       والظن يصدق أحيانا فينتظـــم

إن سوف يترككم ما تدعون بــها      قتلى تهاداكم العقـبان والرخــم

يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت       وامسكـوا بحبال السلم واعتصموا

قد جرب الحرب من قد كان قبلكم      من القـرون وقـد بادت بها الأمم

فأنصفوا قومكم لا تهلكوا برحــا       فــرب ذي بـرح زلت به القدم

ودلت هذه الرسالة على غباوة يزيد فقد حسب أن الإمام يطلب المال والثراء في خروجه عليه، ولم يعلم أنه إنما ناهضه لا يبغي بذلك إلا الله والتماس الأجر في الدار الآخرة .

جواب ابن عباس :

وأجابه ابن عباس ” أما بعد :

فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكة، فأما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه يكاتمنا مع ذلك أضغانا يسرها في صدره يوري علينا وري الزناد، لا فك الله أسيرها فأرى في أمره ما أنت راء .

وأما الحسين فانه لما نزل مكة وترك حرم جده، ومنازل آبائه سألته عن مقدمه فاخبرني إن عمالك بالمدينة أساؤا إليه، وعجلوا عليه بالكلام الفاحش، فاقبل إلى حرم الله مستجيرا به، وسألقاه فيما أشرت إليه، ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة، ويطفئ به النائرة ويخمد به الفتنة، ويحقن به دماء الأمة ، فاتق الله في السر والعلانية، ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة، ولا ترصده بمظلمة، ولا تحقر له مهراة [22] فكم من حافر لغيره حفرا وقع فيه، وكم من مؤمل أملا لم يؤت أمله، وخذ بحظك من تلاوة القران ، ونشر السنة، وعليك بالصيام والقيام لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها فان كل ما اشتغلت به عن الله يضر ويفنى وكل ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى ، والسلام…”[23].

وحفلت هذه الرسالة بما يلي :

1. إنه لا علاقة لبني هاشم بابن الزبير،، ولا هم مسؤولون عن تصرفاته، فقد كان عدوا لهم يتربص بهم الدوائر، ويبغي لهم الغوائل .

2. إن الإمام الحسين إنما نزح من يثرب إلى مكة لا لإثارة الفتنة وإنما لإساءة عمال يزيد له، وقد قدم إلى مكة ليستجير ببيتها الحرام .

إقصاء حاكم المدينة :

كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان واليا على يثرب بعد عزل مروان عنها، وكان – فيما يقول المؤرخون – فطنا ذكيا يحب العافية ويكره الفتنة، ولما امتنع الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) من البيعة ليزيد لم يتخذ معه الإجراءات الصارمة، ولم يكرهه على ما لا يحب، وإنما فسح له المجال في الرحيل إلى مكة من دون أن يعوقه عنها، في حين قد اصرر عليه مروان بالتنكيل به فرفض ذلك، وقد نقل الأمويون موقفه المتسم باللين والتسامح مع الحسين الى يزيد فغضب عليه وعزله عن ولايته[24] ، وقد عهد بها إلى جبار من جبابرة الأمويين عمرو بن سعيد الاشدق[25] وقد عرف بالقسوة والغلظة، قدم إلى المدينة في رمضان بعد أن تسلم ولايته عليها فصلى، بالناس صلاة العتمة، وفي الصباح خرج على الناس وعليه قميص احمر وعمامة حمراء فرماه الناس بأبصارهم منكرين ما هو عليه ، فصعد المنبر فقال :

” يا أهل المدينة، ما لكم ترموننا بأبصاركم كأنكم تقروننا سيوفكم ؟  أنسيتم ما فعلتم ! أما لو انتقم في الأول ما عدتم إلى الثانية، أغركم إذ قتلتم عثمان فوجدتموه صابرا حليما، وإماما، فذهب غضبه، وذهبت ذاته ، فاغتنموا أنفسكم، فقد وليكم إمام بالشباب المقتبل البعيد الأمل، وقد اعتدل جسمه، واشتد عظمه، ورمى الدهر ببصره، واستقبله بأسره، فهو إن عض لهس، وان وطئ فرس، لا يقلقه الحصى، ولا تقرع له العصا “

وعرض في خطابه لابن الزبير فقال :

” فو الله لنغزونه، ثم لئن دخل الكعبة لنحرقنها عليه، على رغم انف من رغم..” [26].

ورعف الطاغية على المنبر فألقى إليه رجل عمامة فمسح بها دمه فقال رجل من خثعم : ” دم على المنبر في عمامة، فتنة عمت وعلا ذكرها ورب الكعبة “[27]، وقد أثر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : ” ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية فيسيل رعافه “[28].

وعزم الاشدق على مقابلة الجبهة المعارضة بالقوة والبطش، وقد حفزه إلى ذلك ما حل بسلفه الوليد من الإقصاء وسلب الثقة عنه نتيجة تساهله مع الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ولعل من أوثق الأسباب التي دعت الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) إلى مغادرة الحجاز هو الحذر من بطش هذا الطاغية به ، والخوف من اغتياله وهو في الحرم .

الحسين مع ابن عمر وابن عباس :

وكان عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر مقيمين في مكة حينما أقبل الإمام الحسين إليها، وقد خفا لاستقباله والتشرف بخدمته، وكانا قد عزما على مغادرة مكة، فقال له ابن عمر ! ” أبا عبد الله، رحمك الله، اتق الله الذي إليه معادك، فقد عرفت من عداوة أهل البيت – يعني بني أمية – لكم، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد بن معاوية، ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء موطن، يريدون في ذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك بالله ولا اتخذ من دونه وليا، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وانبرى ابن عباس يؤيد كلامه، ويدعم قوله قائلا : ” ما أقول فيهم الا إنهم كفروا بالله ورسوله، ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا الى هؤلاء، ومن يظل الله فلن تجد له سبيلا، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى، وأما أنت يا بن رسول الله فإنك رأس الفخار برسول الله، فلا تظن يابن بنت رسول الله أن الله غافل عما يفعل الظالمون وأنا اشهد أن من رغب عن مجاورتك، وطمع في محاربتك، ومحاربة نبيك محمد فماله من خلاق…” .

وانبرى الإمام الحسين فصدق قوله قائلا : ” اللهم نعم ” .

وانطلق ابن عباس يظهر له الاستعداد للقيام بنصرته قائلا : ” جعلت فداك يابن بنت رسول الله، كأنك تريدني إلى نفسك ، وتريد مني أن أنصرك، والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتى انخلعا جميعا سن كفي لما كنت ممن وفى من حقك عشر العشر، وها أنا بين يديك مرني بأمرك ” .

وقطع ابن عمر كلامه، وأقبل على الحسين فقال له : ” مهلا عما قد عزمت عليه، وارجع من هنا الى المدينة، وادخل في صلح القوم، ولا تغب عن وطنك، وحرم جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة، وسبيلا، وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى رأيك، فان يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلى قليلا فيكفيك الله أمره ” .

وزجره الإمام، ورد عليه قوله قائلا : والبيضاء فيقتلونك، ويهلك فيك بشر كثير، فاني قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ” حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه ليخذلهم الله إلى يوم القيامة، وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين ” .

فقال له أبي الضيم : ” أنا أبايع يزيد، وأدخل في صلحه ؟ ! ! وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وفي أبيه ما قال”.

وانبرى ابن عباس فقال له : ” صدقت أبا عبد الله قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته : ” ما لي وليزيد لا بارك الله في يزيد، وانه يقتل ولدي، وولد ابنتي الحسين، والذي نفسي بيده، لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه الا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم ” .

وبكى ابن عباس والحسين، والتفت إليه قائلا : ” يا بن عباس أتعلم أني ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ” .

” اللهم نعم..نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله غيرك وان نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقبل أحدهما دون الأخرى..” .

فقال له الحسين : ” يا بن عباس، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من داره، وقراره، ومولده وحرم رسوله، ومجاورة قبره ومسجده وموضع مهاجره، فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار، ولا يأوي في ” أف لهذا الكلام أبدا ما دامت السماوات والأرض، أسألك يا عبد الله أنا عندك على خطأ من أمري ؟. فإن كنت على خطأ ردني فانا أخضع، وأسمع وأطيع ” :

فقال ابن عمر : ” اللهم لا، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسول الله على خطا وليس مثلك من طهارته وصفوته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على مثل يزيد ابن معاوية، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الامة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة، وان لم تحب أن تبايع، فلا تبايع أبدا، واقعد في منزلك ” .

والتفت إليه الإمام فاخبره عن خبث الأمويين، وسوء نواياهم نحوه قائلا : ” هيهات يا بن عمر إن القوم لا يتركوني، وإن أصابوني، وان لم يصيبوني، فلا يزالون حى أبايع وأنا كاره، أو يقتلوني، أما تعلم يا عبد الله إن من هوان الدنيا على الله تعالى أنه أتي برأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم ؟! !

أما تعلم يا أبا عبد الرحمن أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئا، فلم يعجل الله عليهم ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر..”[29].

وكشفت هذه المحاورة عن تصميمه على الثورة، وعزمه على مناجزة يزيد لأنه لا يتركه وشانه، فإما أن يبايع، وبذلك يذل هو ويذل الإسلام وتستباح حرماته، وأما أن يقتل عزيزا كريما، فاختار المنية للحفاظ على كرامته وكرامة الأمة ومقدساتها .

وصيته لابن عباس :

وأقبل الحسين على ابن عباس، فعهد إليه بهذه الوصية قائلا :  ” وأنت يابن عباس ابن عم أبي، لم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد والسداد، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك، وتشير عليه بالصواب، فامض إلى المدينة في حفظ الله، ولا تخف علي شيئا من أخبارك، فاني مستوطن هذا الحرم ، ومقيم به ما رأيت أهله يحيبونني، وينصرونني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم يوم ألقي في النار (حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار عليه بردا وسلاما..)[30].

——————

الهوامش :

[1]خطط المقريزي 2 / 285، المنتظم لابن الجوزي، الإفادة في تاريخ الأئمة السادة وفي الفتوح 5 / 34 انه خرج لثلاث ليال مضين من شعبان.

[2] تاريخ الطبري.

[3] المنتظم لابن الجوزي الجزء الخامس، الفتوح 5 / 34 وجاء في تاريخ ابن عساكر 13 / 55 أن الحسين مر بابن مطيع وهو يحفر بئرا ، فقال له : إلى أين فداك أبي وأمي، فقال له : أردت مكة، وذكر له كتب أهل الكوفة إليه، فقال ابن مطيع : فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إليهم، فأبي الحسين ثم قال له ابن مطيع : إن بئري هذه قد رسحتها وهذا اليوم أوان تمامها قد خرج إلينا في الدلو شيء من مائها، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة، فقال (عليه الصلاة والسلام) : هات من مائها فاتاه منه فشرب منه، وتمضمض ورده في البئر فعذب ماؤها، وجاء في وسيلة المال في عد مناقب الال (ص 185) لصفي الدين : إن عبد الله لقي الحسين فقال له : جعلت فداك أين تريد ؟

فقال : أما الآن فمكة، وأما بعدها فاستخير الله، فقال : خار الله لك وجعلنا فداك ألزم الحرم فانك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، وتتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فو الله إن هلكت لنسترقن بعدك.

[4] الفتوح 5 / 37.

[5] المنتظم لابن الجوزي، الإفادة في تاريخ الأئمة السادة .

[6] تاريخ ابن عساكر 13 / 68، وفي الأخبار الطوال (ص 209) انه نزل في شعب علي .

[7] البداية والنهاية.

[8] الفصول المهمة لابن الصباغ (170) وسيلة المال في عد مناقب الال (185).

[9] نهضة الحسين (ص 73).

[10] العطن : مبرك الابل، ومربض الغنم.

[11] فوات الوفيات 1 / 448 .

[12] المعارف لابن قتيبة (ص 76).

[13] مروج الذهب 3 / 22 .

[14] شرح النهج 7 / 24 .

[15] المختار (ص 95) .

[16] البداية والنهاية 8 / 150 وجاء في وسيلة المال (ص 185) وقد ثقلت وطأة الحسين على ابن الزبير لان أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد، ولا يتهيأ له ما يطلب منهم مع وجود الحسين.

[17] تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 268 .

[18] تاريخ ابن الأثير 4 / 16، الطبري 6 / 216 .

[19] من معالم الحق (ص 131).

[20] الدولة الأموية في الشام (ص 54) .

[21] تذكرة الخواص (ص 248).

[22] المهراة : الحفرة

[23] تذكرة الخواص (ص 248 – 250) تاريخ ابن عساكر 13 / 70

[24] البداية والنهاية 8 / 148 .

[25] الاشدق : لقب بذلك لتشادقه الكلام، وقيل إنما لقب بذلك لأنه كان افقم مائل الذقن، جاء ذلك في البيان والتبيين 1 / 315 ، وقيل إنما لقب بذلك لأنه أصابه اعوجاج في حلقه لإغراقه في شتم علي جاء ذلك في معجم الشعراء (231).

[26] تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 268 .

[27] سمط النجوم العوالي 3 / 57 .

[28] مجمع الزوائد 5 / 240.

[29] الفتوح 5 / 38 – 42.

[30] مقتل الخوارزمي 1 / 193.