زواج الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام

زواج الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام


بقلم علي موسى الكعبي

المصدر كتاب سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام)

محاولات خطبتها (عليها السلام) :

فاقت فاطمة الزهراء (عليها السلام) نساء عصرها في الحسب والنسب فهي بنت محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة[1] رضي الله عنها وسليلة الفضل والعلم والسجايا الخيّرة ، وغاية الجمال الخَلقي والخُلقي ، ونهاية الكمال المعنوي والإنساني ، علا شأوها وتألّق نجمها .

وكانت (عليها السلام) تمتاز منذ صغر سنها بالنضج الفكري والرشد العقلي ، وقد وهب الله لها عقلاً كاملاً وذهناً وقّاداً وذكاءً حادّاً وحسناً وجمالاً في إشراقةِ محياها النورانية ، فما أكثر مواهبها وما أعظم فضائلها وهي تكبر يوماً بعد يوم تحت ظلال النبيّ (صلى الله عليه وآله) حتى أدركت سلام الله عليها مدرك النساء!!

وما إن دخلت السنة الثانية من هجرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبدأت طلائع الاستقرار تلوح للمسلمين حتى خطبها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فكان (صلى الله عليه وآله) يردّهم ردّاً جميلاً ويقول لكلّ من جاءه : « إنّي أنتظر فيها أمر الله » وكان (صلى الله عليه وآله) يعرض عنهم بوجهه الكريم حتى كان الرجل يظنّ في نفسه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساخط عليه[2] .

وكان رسول الله قد حبسها على عليّ ، ويرغب أن يخطبها منه[3] .

وعن بريدة قال : خطب أبو بكر فاطمة (عليها السلام)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّها صغيرة ، وإنّي أنتظر بها القضاء » فلقيه عمر فأخبره ، فقال : ردّك ، ثم خطبها عمر فردّه[4] .

الإمام عليّ  يتقدّم لخطبة الزهراء (عليهما الصلاة والسلام) :

كان الإمام عليّ (عليه الصلاة والسلام) يفكّر في خطبة الزهراء، ولكنّه بقي (عليها الصلاة والسلام) بين الحالة التي يعيشها هو والمجتمع الإسلامي من فقر وفاقة وضيق في المعيشة، يصرفه عن التفكير في الزواج ويشغله عن نفسه وهواجسها في بناء الأسرة، وبين واقعه الشخصي وقد تجاوز الواحد والعشرين من العمر[5] ، وآن له أن يتزوّج من فاطمة التي لا كفؤ لها سواه ولا كفؤ له سواها، وهي نسيج لا يتكرّر.

ذات يوم وما أن أكمل الإمام (عليه السلام) عمله حتى حلّ عن ناضحه وأقبل يقوده إلى منزله فشدّه فيه ، وتوجّه نحو منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان في بيت السيدة أُمّ سلمة ، وبينما كان الإمام في الطريق هبط ملك من السماء بأمر إلهي هو أن يزوِّجَ النور من النور ، أي فاطمة من عليّ[6] .

فدقّ عليّ (عليه السلام) الباب ، فقالت أُمّ سلمة : من بالباب ؟ فقال لها رسول الله  (صلى الله عليه وآله) : « قومي يا أم سلمة فافتحي له الباب ومريه بالدخول ، فهذا رجل يحبّه الله ورسوله ويُحبّهما » فقالت أم سلمة : فداك أبي وأمي ، من هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره ؟ فقال : « مه يا أم سلمة ، فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق، هذا أخي وابن عمّي وأحبّ الخلق إليّ » قالت أم سلمة : فقمت مبادرةً أكاد أعثر بمرطي ، ففتحت الباب فإذا أنا بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : « السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته » فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « وعليك السلام يا أبا الحسن ، اجلس » فجلس علىّ (عليه السلام) بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل ينظر إلى الأرض كأنّه قصد لحاجة وهو يستحي أن يبيّنها ، فهو مطرق إلى الأرض حياءً من رسول الله  (صلى الله عليه وآله) فكأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) علم ما في نفس عليّ (عليه السلام) فقال له : « يا أبا الحسن، إنّي أرى أنّك أتيت لحاجة ، فقل حاجتك وابدِ ما في نفسك ، فكلّ حاجة لك عندي مقضية » قال عليّ (عليه السلام) : «فداك أبي واُمي إنّك أخذتني عن عمّك أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي، فغذّيتني بغذائك ، وأدّبتني بأدبك ، فكنتَ إليّ أفضل من أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد في البرّ والشفقة ، وإنّ الله تعالى هداني بك وعلى يديك ، وإنّك والله ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة يا رسول الله فقد أحببت مع ما شدّ الله من عضدي بك أن يكون لي بيت وأن تكون لي زوجة أسكن إليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً ، أخطب اليك إبنتك فاطمة ، فهل أنت مزوّجي يا رسول الله ؟ » فتهلّل وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحاً وسروراً ، وأتى فاطمة فقال : « إنّ عليّاً قد ذكركِ وهو من قد عرفتِ » فسكتت (عليها السلام) ، فقال (صلى الله عليه وآله) : « الله أكبر ، سكوتها رضاها » فخرج فزوّجها[7] .

قالت اُمّ سلمة : فرأيت وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتهلّل فرحاً وسروراً ، ثم تبسّم في وجه عليّ (عليه السلام) فقال : « يا عليّ فهل معك شيء أُزوّجك به ؟ » فقال عليّ (عليه السلام) : « فداك أبي واُمّي ، والله ما يخفى عليك من أمري شيء  ، أملك سيفي ودرعي وناضحي ، وما أملك شيئاً غير هذا » فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « يا عليّ أمّا سيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد في سبيل الله ، وتقاتل به أعداء الله ، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك ، وتحمل عليه رحلك في سفرك ، ولكني قد زوّجتك بالدرع ورضيت بها منك ».

« يا أبا الحسن ، أأُبشّرك ؟ ! » قال عليّ (عليه السلام) قلت : « نعم فداك أبي وأمي بشّرني ، فإنّك لم تزل ميمون النقيبة ، مبارك الطائر ، رشيد الأمر ، صلّى الله عليك » .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أبشرك يا عليّ فإنّ الله ـ عز وجل ـ قد زوّجكها في السماء من قبل أن أزوّجكها في الأرض، ولقد هبط عليَّ في موضعي من قبل أن تأتيني ملك من السماء فقال : يا محمّد! إنّ الله ـ عز وجل ـ اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارك من خلقه فبعثك برسالته ، ثم اطلع إلى الأرض ثانية فاختار لك منها أخاً ووزيراً وصاحباً وختناً فزوّجه إبنتك فاطمة  (عليها السلام)، وقد احتفلت بذلك ملائكة السماء، يامحمّد! إن الله ـ عزوجل ـ أمرني أن آمرك أن تزوّج عليّاً في الأرض فاطمة، وتبشّرهما بغلامين زكيين نجيبين طاهرين خيّرين فاضلين في الدنيا والآخرة، ياعليّ! فو الله ما عرج الملك من عندي حتى دققتَ الباب »[8] .

أمر زواجها من السماء :

قال ابن أبي الحديد : وإنّ إنكاحه عليّاً إيّاها ما كان إلاّ بعد أن أنكحه الله تعالى إيّاها في السماء بشهادة الملائكة[9] .

وعن جابر بن عبدالله قال : لمّا زوّج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة من عليّ (عليه السلام) كان الله مزوّجه من فوق عرشه[10] .

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّما أنا بشر مثلكم ، أتزّوج فيكم وأزوّجكم إلاّ فاطمة ، فإنّ تزويجها نزل من السماء »[11] .

خطبة العقد :

قال أنس : بينما أنا قاعد عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) إذ غشيه الوحي، فلمّا سري عنه قال : « يا أنس! تدري ما جاءني به جبرائيل من صاحب العرش ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، بأبي وأمي ما جاء به جبرائيل ؟ قال (صلى الله عليه وآله) : « إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة علياً ، انطلق فادع لي المهاجرين والأنصار » قال : فدعوتهم ، فلمّا أخذوا مقاعدهم قال النبي (صلى الله عليه وآله) : « الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته ، وميّزهم بأحكامه ، وأعزّهم بدينه ، وأكرمهم بنبيّه محمّد ، ثم إنّ الله تعالى جعل المصاهرة نسباً وصهراً ، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره ، فلكلّ قدر أجل، ولكلّ أجل كتاب (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب)، ثم إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة بعليّ ، فاُشهدكم أنّي قد زوّجته على أربعمائة مثقال من فضة إن رضي بذلك عليّ » .

وكان عليّ غائباً قد بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حاجته ، ثم إنّ رسول الله  (صلى الله عليه وآله) أمر بطبق فيه بسر فوضع بين أيدينا ، ثم قال (صلى الله عليه وآله) : « انتهبوا » ، فبينا نحن ننتهب إذ أقبل علي (عليه السلام) ، فتبسّم اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال : «  يا عليّ! إنّ الله أمرني أن أزوّجك فاطمة ، فقد زوّجتكها على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت » فقال عليّ (عليه السلام) : « قد رضيت يا رسول الله » ثم إنّ عليّاً مال فخرّ ساجداً شكراً لله تعالى وقال : « الحمد لله الذي حبّبني إلى خير البرية محمد رسول الله » ، فقال رسول الله  (صلى الله عليه وآله) : « بارك الله عليكما ، وبارك فيكما وأسعدكما ، وأخرج منكما الكثير الطيب » .

قال أنس : فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيب[12] .

مهرها وجهازها :

وجاء عليّ بالمهر بعد أن باع درعه لعثمان، وكان أربعمائة درهم سود هَجَرية، فقبض الرسول (صلى الله عليه وآله) الدراهم وأعطاها لبعض أصحابهِ ونسائهِ ليشتروا متاعاً للبيت الجديد، فكان الجهاز:

1 ـ قميصاً بسبعه دراهم .

2 ـ خماراً بأربعة دراهم .

3 ـ قطيفة سوداء خيبرية.

4 ـ سريراً مزمَّلاً بشريط .

5 ـ فراشين من خيش مصر حشو أحدهما ليف ، وحشو الآخر من جزّ الغنم ( صوف ).

6 ـ أربعة مرافق من أدم الطائف حشوها أذخر .

7 ـ ستراً من صوف .

8 ـ حصيراً هجري .

9 ـ رحاءَ اليد .

10  ـ  سقاءً من أدم .

11 ـ مخضباً من نحاس .

12 ـ قعباً للَّبَن .

13 ـ شنّاً للماء .

14 ـ مطهرةً مزفَّتة .

15 ـ جرَّةً خضراء .

16 ـ كيزان خزف .

17 ـ نطعاً من أدم .

18 ـ عباءً قطراني .

19 ـ قربةَ ماء .

قالوا : وحملناه جميعاً حتى وضعناه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلمّا نظر إليه بكى وجرت دموعه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللهمّ بارك لقوم جلّ آنيتهم الخزف »[13].

جهّز علي (عليه السلام) داره ، وفرش (عليه السلام) بيته بالرمل الليّن ونصب خشبة من حائط إلى الحائط لتعليق الثياب عليها وبسط على الأرض إهاب كبش ومخدَّة ليف .

وعن أبي يزيد المديني قال : لمّا أهديت فاطمة إلى عليّ (عليه السلام) لم تجد عنده إلاّ رملاً مبسوطاً ووسادة وجرّة وكوزاً[14] .

مقدّمات الزفاف ووليمة العرس :

قال عليّ (عليه السلام) : « ومكثت بعد ذلك شهراً لا أعاود رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمر فاطمة بشيء، استحياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير أنّي كنت إذا خلوت برسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لي : « يا عليّ ما أحسن زوجتك وأجملها ! أبشر يا عليّ فقد زوّجتك سيّدة نساء العالمين » فقال عليّ (عليه السلام) : « فلمّا كان بعد شهر دخل عليَّ أخي عقيل فقال : يا أخي ما فرحت بشيء كفرحي بتزوجك فاطمة بنت محمّد(صلى الله عليه وآله) ، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدخلها عليك  ؟ فتقرّ عيناً باجتماع شملكما » .

قال عليّ (عليه السلام) : « والله يا أخي إنّي لأُحب ذلك وما يمنعني من مسألته إلاّ الحياء منه » فقال : أقسمت عليك إلاّ قمت معي ، فقمنا نريد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلقيتنا في طريقنا بركة « أم أيمن » ـ مولاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ فذكرنا ذلك لها، فقالت : لا تفعل ودعنا نحن نكلّمه ، فإنّ كلام النساء في هذا الأمر أحسن وأوقع بقلوب الرجال .

ثم انثنت راجعة فدخلت إلى أم سلمة فأعلمتها بذلك وأعلمت نساء النبي فاجتمعن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأحدقن به وقلن ـ والكلام لا يزال لأُمّ سلمة ( أم المؤمنين ) ـ فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله قد اجتمعنا لأمر لو أنّ خديجة في الأحياء لقرّت بذلك عينها، قالت أم سلمة : فلمّا ذكرنا خديجة بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال (صلى الله عليه وآله) : « خديجة وأين مثل خديجة ؟ صدّقتني حين كذّبني الناس و وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه بما لها ».

قالت أُمّ سلمة : فقلنا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، يا رسول الله إنّك لم تذكر من خديجة أمراً إلاّ وقد كانت كذلك ، غير أنّها قد مضت إلى ربّها ، فهنأها الله بذلك ، وجمع بيننا وبينها في درجات جنّته ورضوانه ورحمته، يا رسول الله هذا أخوك في الدين وابن عمك في النسب عليّ بن أبي طالب ، يحب أن تدخل عليه زوجته فاطمة وتجمع بها شمله، فقال : « يا أُمّ سلمة ، فما بال عليّ لا يسألني ذلك ؟ » .

فقلت : يمنعه الحياء منك يا رسول الله ، قالت أُمّ أيمن : فقال لي رسول الله  (صلى الله عليه وآله) : « انطلقي إلى عليّ فآتيني به » ، فخرجت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا عليّ ينتظرني ليسألني عن جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلمّا رآني قال : «  ما وراءك يا أُمّ أيمن ؟ » .

قلت : أجب رسول الله، قال عليّ (عليه السلام) : « فدخلت وقمن أزواجه فدخلن البيت وجلست بين يديه مطرقاً نحو الأرض حياءً منه » ، فقال (صلى الله عليه وآله) : « أتحبّ أن تدخل عليك زوجتك ؟ »، فقلت وأنا مطرق : « نعم ، فداك أبي واُمّي » .

فقال : « نعم وكرامة ، يا عليّ ، أدخلها عليك في ليلتنا هذه أو في ليلة غد إن شاء الله »، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى النساء وقال : «من هاهنا»؟ فقالت أُُمّ سلمة : أنا أُمّ سلمة وهذه زينب وهذه فلانة وفلانة ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « هيّئوا لابنتي وابن عمّي في حجري بيتاً » فقالت أُمّ سلمة : في أيّ حجرة يا رسول الله ؟ فقال  (صلى الله عليه وآله) : «في حجرتك»، وأمر نساءه أن يزيّنَّ فاطمة ويصلحن من شأنها.

قالت أُمّ سلمة : فسألت فاطمة : هل عندك طيب ادّخرتيه لنفسك ؟ قالت(عليها السلام) : « نعم » فأتت بقارورة فسكبت منها في راحتي فشممت منها رائحة ما شممت مثله قطّ ، فقلت : ما هذا ؟ قالت (عليها السلام) : «كان دحية الكلبي يدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول لي (صلى الله عليه وآله) : يا فاطمة هاتِ الوسادة فاطرحيها لعمّك ، فأطرح له الوسادة فيجلس عليها ، فإذا نهض سقط من بين ثيابه شيء فيأمرني بجمعه [ فسأل عليّ  (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال  (صلى الله عليه وآله): هو عنبر يسقط من أجنحة جبرائيل ] ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « يا علي ، لا بدّ للعرس من وليمة » .

فقال سعد : عندي كبش ، وجمع رهط من الأنصار أصواعاً من ذرة ، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدراهم التي سلّمها إلى أُم سلمة عشرة دراهم فدفعها إليّ وقال : « اشتر سمناً وتمراً وإقطاً »، فاشتريت وأقبلت به إلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) ، تحسر عن ذراعيه ودعا بسفرة من أدم ، وجعل يشدخ[15] التمر والسمن ويخلطهما بالأقط حتى اتخذه حيساً[16]، ثم قال : « يا علي اُدعُ من أحببت ».

فخرجت إلى المسجد وهو مشحن بالصحابة ، فاستحييتُ أن اُشخص قوماً وأدع قوماً ، ثم صعدت على ربوة هناك وناديت : أجيبوا إلى وليمة فاطمة، فأقبل الناس أرسالاً[17] فاستحييت من كثرة الناس وقلّة الطعام ، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما تداخلني ، فقال (صلى الله عليه وآله) : «يا عليّ إنّي سأدعو الله بالبركة ، فجلّل السفرة بمنديل، وقال : أدخل عليَّ عشرة بعد عشرة ففعلت ، وجعلوا يأكلون ويخرجون لا ينقص الطعام» وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يصبّ الطعام بيده ، والعبّاس وحمزة وعليّ وعقيل يستقبلون الناس، قال عليّ : «فأكل القوم عن آخرهم طعامي وشربوا شرابي ، ودعوا لي بالبركة وصدروا وهم أكثر من أربعة ألاف رجل» .

ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصحاف فملئت ووجه بها إلى منازل أزواجه  ، ثم أخذ صحيفة وجعل فيها طعاماً، وقال : « هذه لفاطمة وبعلها »[18].

مراسم ليلة الزفاف :

فلمّا انصرفت الشمس للغروب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «يا أُمّ سلمة هلمّي فاطمة»، فانطلقت فأتت بها تسحب أذيالها وقد تصببت عرقاً حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعثرت ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «أقالك الله العثرة في الدنيا والآخرة»، فلمّا وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتى رآها عليٌّ (عليه السلام) .

وأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بنات عبد المطّلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة، وأن يفرحن ويرجزن ويكبِّرن ويحمدن ، ولا يقلن ما لا يرضي الله، قال جابر : فأركبها على ناقته أو على بغلته الشهباء، وأخذ سلمان زمامها ، وحولها سبعون ألف حوراء ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) وحمزة وعقيل وجعفر وبنو هاشم يمشون خلفها مشهرين سيوفهم، ونساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) قدّامها يرجزن  .

وكانت النّسوة يرجّعن أول بيت من كلّ رجز ثم يكبِّرن، ودخلن الدار، ثم أنفذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عليّ ودعاه ، ثم دعا فاطمة فأخذ بيدها ووضعها في يد عليّ، وقال : « بارك الله في ابنة رسول الله ، يا علي نِعم الزوج فاطمة، ويا فاطمة نِعم البعل عليّ » .

ثم قال : «يا عليّ هذه فاطمة وديعة الله ووديعة رسوله عندك، فاحفظ الله واحفظني في وديعتي»[19] .

ثم دعا وقال : « اللهمّ اجمع شملهما ، وألِّف بين قلبيهما ، واجعلهما وذرّيتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّية طاهرة طيبة مباركة ، واجعل في ذرّيتهما البركة ، واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك ويأمرون بما رضيت » ثم قال : «انطلقا إلى منزلكما ولا تُحدِثا أمراً حتى آتيكما».

قال عليّ (عليه السلام) : « فأخذت بيد فاطمة وانطلقت بها حتى جلست في جانب الصفة وجلست في جانبها وهي مطرقة إلى الأرض حياءً منّي وأنا مطرق إلى الأرض حياءً منها » .

فما كان إلاّ أن دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبيده مصباح ، فوضعه في ناحية المنزل، وقال لي : «يا عليّ خذ في ذلك القعب ماءً من تلك الشكوة ، ففعلت ثم أتيته به فتفل فيه تفلات ، ثم ناولني القعب وقال : اشرب منه ، فشربت ثم رددته إلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) فناوله فاطمة وقال : اشربي حبيبتي فشربت منه ثلاث جرعات ثم ردّته إليه، فأخذ ما بقي من الماء فنضحه على صدري وصدرها وقال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ، ثم رفع يديه وقال : يا ربّ إنّك لم تبعث نبيّاً إلاّ وقد جعلت له عترة ، اللهمّ فاجعل عترتي الهادية من عليّ وفاطمة ، ثم خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب وقال : طهّركما الله وطهّر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم ، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما » وأغلق الباب وأمر النساء فخرجن .

فلمّا أراد الخروج رأى امرأة فقال: من أنتِ؟، قالت : أسماء ، فقال : «ألم آمركِ أن تخرجي؟» قالت أسماء : بلى يا رسول الله ـ فداك أبي واُمي ـ وما قصدت خلافك ، ولكنّي أعطيت خديجة عهداً، حينما حضرت خديجة الوفاة بكت، فقلت: أتبكين وأنت سيدة نساء العالمين ؟ وأنتِ زوجة النبيّ  (صلى الله عليه وآله) ومبشّرة على لسانه بالجنة ؟

فقالت : ما لهذا بكيت، ولكن المرأة ليلة زفافها لا بدّ لها من امرأة تفضي اليها بسرّها ، وتستعين بها على حوائجها ، وفاطمة حديثة عهد بصبا ، وأخاف أن لا يكون لها من يتولّى أمرها حينئذ .

فقلت : يا سيدتي لك عليَّ عهد الله إن بقيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مقامَكِ في هذا الأمر ، فبكى رسول الله وقال : «بالله لهذا وقفتِ ؟». فقلت : نعم والله ، فدعا لي[20].

زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) للزهراء في صبيحة عرسها :

دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على فاطمة (عليها السلام) في صبيحة عرسها بقدح فيه لبن فقال : « اشربي فداكِ أبوك » ، ثم قال لعلي (عليه السلام) : «  اشرب فداك ابن عمّك »[21] .

ثم سأل عليّاً : « كيف وجدت أهلك ؟ قال (عليه السلام) : نِعم العون على طاعة الله » . وسأل فاطمة فقالت : « خير بعل »[22] .

قال عليّ (عليه السلام) : «ومكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك ثلاثاً لا يدخل علينا، فلمّا كان في صبيحة اليوم الرابع جاءنا (صلى الله عليه وآله) ليدخل علينا . . . » فلمّا دخل عليهما أمر عليّاً بالخروج ، وخلا بابنته فاطمة (عليها السلام) وقال : « كيف أنت يا بُنيّة ؟ وكيف رأيت زوجكِ ؟ » .

قالت : « يا أبه خير زوج ، إلاّ أنّه دخل عليَّ نساء من قريش وقلن لي زوّجكِ رسول الله من فقير لا مال له »، فقال (صلى الله عليه وآله) لها : « يا بنية ما أبوك ولا بعلُك بفقير، ولقد عرضت عليَّ خزائن الأرض ، فاخترت ما عند ربّي ، والله يا بنية ما ألوتك نصحاً أنّ زوّجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً » .

« يا بُنية إنّ الله ـ عزوجل ـ اطلع إلى الأرض فاختار من أهلها رجلين فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك ، يا بنية نِعم الزوج زوجكِ ، لا تعصي له أمراً » .

ثم صاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعليّ : « يا عليّ »، فقال : « لبيك يا رسول الله » ، قال : اُدخل بيتك والطف بزوجتك وارفق بها ، فإنّ فاطمة بضعة منّي، يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها ، أستودعكما الله وأستخلفه عليكم »[23] .

وفي رواية : لمّا زوّج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إبنته فاطمة (عليها السلام) قال لها : « زوّجتك سيّداً في الدنيا والآخرة ، وإنّه أول أصحابي إسلاماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً »[24] .

تأريخ الزواج :

الروايات التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) تنصّ كلّها على وقوع الزواج بعد عودة المسلمين من معركة بدر منتصرين .

فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « تزوّج علي فاطمة (عليها السلام) في شهر رمضان وبنى بها في ذي الحجة من العام نفسه بعد معركة بدر »[25] .

وروي أيضاً أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل بفاطمة (عليها السلام) بعد رجوعه من معركة بدر لأيام خلت من شوال السنة الثانية من الهجرة النبويّة المباركة[26] .

وروي في أوّل يوم من ذي الحجة ( السنة الثانية من الهجرة ) زوّج رسول الله  (صلى الله عليه وآله) فاطمة عليّاً (عليه السلام)[27] .

مميّزات زواج الزهراء (عليها السلام) بعليّ (عليه السلام)

لقد امتاز زواج السيّدة فاطمة سلام الله عليها بما يلي :

1 ـ إنّه زواج من السماء وبأمر من الله تعالى قبل أن يكون نسباً أرضياً  ، ومجرد ارتباط عاطفي ، ويكفينا في ذلك ما رويَ عن عمر بن الخطاب إذ قال : نزل جبرئيل فقال : «يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تزوّج فاطمة ابنتك من علىّ »[28] .

2 ـ إنّ الله تعالى قد جعل الذرّيّة النبويّة الطاهرة محصورة بهذا الزواج المبارك ، ومن طريق هذين الزوجين ، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكلّ بني اُنثى فعصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإنّي أبوهم وأنا عصبتهم »[29] .

3 ـ إنّ الزهراء (عليها السلام) وحيدة محمّد (صلى الله عليه وآله) التي لم يكن لها أُخت في النسب الأبوي ، أمّا زينب ورقية وأُمّ كلثوم ـ وإن اشتهرن بكونهنّ بنات محمّد (صلى الله عليه وآله) ـ فهنّ بنات هالة أُخت خديجة، وقد كنّ في بيت خديجة حينما اقترنت بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ولم يؤيّد التحقيق التأريخي بنوّتهنّ لمحمّد (صلى الله عليه وآله)[30].

—————

الهوامش :

[1] سيرة الأئمة الاثني عشر : 1 / 80 ـ 81 .

[2] كشف الغمة : 1 / 353 .

[3] كشف الغمة : 1 / 354 .

[4] تذكرة الخواص : 306 .

[5] ذخائر العقبى : 36 .

[6] راجع معاني الأخبار : 103، والخصال : 640، وأمالي الصدوق : 474، وبحار الأنوار:   43 / 111 .

[7] راجع بحار الأنوار : 43 / 93 ، وذخائر العقبى : 39 .

[8] بحار الأنوار : 43 / 127 .

[9] شرح نهج البلاغة : 9 / 193 ، وبنص آخر في ذخائر العقبى: 40 ـ 41 .

[10] بحار الأنوار : 43 / 142 .

[11] بحار الأنوار : 43 / 145 .

[12] كفاية الطالب : الباب 78 ص 298 ، والمناقب : 3 / 351 فصل تزويجها (عليها السلام) ، وكشف الغمة  : 1 / 348 ـ 349 ، وذخائر العقبى : 41 .

[13] المناقب ابن شهرآشوب : 3 / 353 ، وكشف الغمة : 1 / 359 .

الشريط : ورق مفتول يشترط به السرير . الخيش : نسيج خشن من الكتان. والاذخر ، حشيش طيب الريح. والمخضب : وعاء لغسل الثياب أو خضبها . والقعب : القدح العظيم الغليظ . والشن : القربة الصغيرة . والزفت : نوع من القير تطلى به الآنية كي لا يترشح منها الماء .

[14] فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى : 477 نقلاً عن المناقب لأحمد بن حنبل .

[15] الشَدْخ : كسر الشيء الرطب أو الأجوف .

الأقط : الجبن المتخذ من اللبن الحامض ، راجع كشف الغمة : 1 / 361 .

[16] الحيس : تمر بدق ويعجن بالسمن عجناً شديداً حتى يندر النوى منه .

[17] أرسال : جمع ( رسل ) وهو القطيع من كل شيء ، الجماعة .

[18] بحار الأنوار : 43 / 106 ، 114 ، 132 ، 137 .

[19] شجرة طوبى : 254 .

[20] ورد في الروايات أنّ أسماء بنت عميس حضرت زفاف فاطمة ، وأسماء كانت مهاجرة بأرض الحبشة مع زوجها جعفر ابن أبي طالب (عليه السلام) ولم تعد هي ولا زوجها إلاّ يوم فتح خيبر ، ولم تشهد زفاف فاطمة ، والتي حضرت الوفاة لعلّها ( سلمى بنت عميس ) أُختها زوجة حمزة بن عبد المطلب ، وكانت أسماء أشهر من أُختها فرووا عنها أو أنّ راوياً واحداً سها وتبعه الآخرون . ( كشف الغمة : 1  /  368  ) .

[21] كشف الغمة : 1 / 368 .

[22] بحار الأنوار : 43 / 117 .

[23] بحار الأنوار : 43 / 132 .

[24] بحار الأنوار : 43 / 133 ، وكنز العمال : 11 / ح32926 مثله ، ومسند الإمام أحمد : 5 / 26 مثله، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 337 .

[25] كشف الغمة : 1 / 364 ، بحار الأنوار : 43 / 134.

[26] أمالي الطوسي : 43 مجلس2 حديث 47.

[27] مصباح المتهجد للطوسي : 613 (ط. حجرية).

[28] ذخائر العقبى : 41 ، وراجع شرح نهج البلاغة : 9 / 193 .

[29] كنز العمال : ج13 / 37586 ، وقريب منه ما في شرح نهج البلاغة : 12 / 106 .

[30] الإمام علي بن أبي طالب سيرة وتاريخ : ص27 ، الشيخ محمد حسن آل ياسين، وراجع الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي المتوفى 352 : الصفحة 80 ـ 82 طبعة دار الكتب العلمية ـ قـم .