محمد بن عثمان العَمري

محمد بن عثمان العَمري


المصدر : موقع الإمام الرضا (عليه الصلاة والسلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف موجز :

كتب الشيخ عباس القمّي في تعريفه :

أبو جعفر، باب الإمام الهادي عليه السّلام، وهو وكيل الناحية ( المقدّسة ـ أي الإمام المهدي عليه السّلام ـ ) في خمسين سنة، الذي ظهر على يديه من طرف المأمول المنتظر عليه السّلام معاجز كثيرة.. وكان أبو جعفر العَمْريّ ـ محمّد بن عثمان ـ وأبوه أبو عمرو ـ عثمان بن سعيد ـ جميعاً وكيلَينِ من جهة صاحب الزمان عليه السّلام [1].

وقفة على أمر :

إنّ موضوع السفارة.. وهي الوكالة والنيابة في بعض الشؤون عن الإمام، موضوعٌ مرتبط مِن جهةٍ بعقيدة الإمامة، ومن جهةٍ أخرى مرتبط بأمر الغَيبة، وقد أراد الإمامان: الهادي والعسكري عليهما السّلام أن يُمهّدا للسفارة في غيبة ولدهما المهديّ عليه السّلام، فكان من ذلك أن عوّدا الناس على الغَيبة أوّلاً والسفارة ثانياً.. فغابا مدّةً محتجبَينِ عن أعين الناس بعد أن عيّنا لهما سفراءَ عنهما يُوصلون إليهما رسائل المُوالين فيها أسئلتهم وحوائجهم.

وبعدهما كانت غَيبة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فَرَجَه الشريف عام 260 هجريّ إلى عام 329 هجريّ ـ وهي الغيبة الصغرى ـ فكان له عليه السّلام خلالها أربعة نوّابٍ سفراء، ذلك بعد أن جدّ سلطان الجور في عصره في طلبه وقتله، فاحتجب الإمام وأقام لمُواليه نوّاباً عنه متعاقبين، جعلهم سفراء بينه وبينهم، يَخلُف بعضهم بعضاً.. حتّى وقعت الغيبة الكبرى وانقطعت السفارة. والسفراء الأربعة هم:

• عثمان بن سعيد العَمْري ( السمّان ).. رجل جليل القدر ثقة، له منزلة عظيمة، ممدوح على ألسنة أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، وقبره في الجانب الغربي من مدينة بغداد في مسجد الدرب.

• محمّد بن عثمان العمري.. وسنأتي نقف عنده معرّفين به.

• الحسين بن روح النُّوبَختي.. أبو القاسم، شهرته في جلالته وعظمته تغني عن البحث والإطالة في شأنه، تُوفّي سنة 326 هجرية، ودُفن في محلّة الشورجة بمدينة بغداد، وقبره معروف عليه قبّة، وهو جامع مأهول.

• عليّ بن محمّد السَّمَري.. المتوفّى سنة 329 هجرية.

وبوفاة هذا السفير، كان الإمام المهديّ سلام الله عليه وآله قد دخل في غيبته الكبرى.. عجّل الله تعالى فرجَه، وفرَجَ آبائه وشيعته.

عودة إلى العَمْري :

قبل أن يكون وكيلاً ( سفيراً ) للإمام الحجّة بن الحسن المهدي عليه الصلاة والسلام، كان العمريّ ـ هو وأبوه ـ وكيلَين للإمامين الهمامين: الهادي والعسكري سلام الله عليهما، وكانا على درجةٍ عالية من الوثاقة، مقرَّبَينِ مأمونَين لديهما.

• سأل أحمدُ بن إسحاق الإمامَ الحسن العسكري عليه السّلام:

ـ مَن أُعامل، وعمّن آخذ، وقولَ مَن أقول ؟

فأجابه الإمام العسكري سلام الله عليه:

ـ العمريَّ وابنَه، ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان.. فاسمَعْ لهما وأطِعْهما؛ فإنّهما الثقتانِ المأمونان [2].

السفارة إليه :

بعد وفاة أبيه رضوان الله عليه ـ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري ـ خرج التوقيع الشريف من الإمام المهدي عليه السّلام ـ وهو ما يزال في غيبته المقدّسة الصغرى ـ إلى محمّد بن عثمان ابنه: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون؛ تسليماً لأمره، ورضاءً بقضائه.. عاش أبوك سعيداً، ومات حميداً، فرحمه الله وألحَقَه بأوليائه ومَواليه عليهم السّلام، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عزّ وجلّ وإليهم، نضّر الله وجهه، وأقال عثرته ».

وفي فصل آخر من الرسالة الشريفة: « أجزَلَ اللهُ لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزِيتَ ورُزِينا، وأوحَشَك فراقُه وأوحَشَنا، فسَرَّه الله في مُنقلَبه.. كان من كمال سعادته أن رزقه اللهُ تعالى وَلَداً مِثلَك يَخلُفه مِن بعده، ويقوم مَقامَه بأمره، ويترحّم عليه.

وأقول: الحمد لله؛ فإن الأنفس طيّبةٌ بمكانك، وما جعله الله عزّوجلّ فيك وعندك، أعانك الله وقَوّاك وعضَدَك ووفّقك، وكان لك وليّاً وحافظاً، وراعياً وكافياً » [3].

• وعن عبدالله بن جعفر الحِميَري: لمّا مضى أبو عمرو ( عثمان بن سعيد العمري ) رضي الله تعالى عنه.. أتَتْنا الكتبُ ـ بالخطّ الذي كنّا نُكاتَب به ـ بإقامة أبي جعفر ( محمّد بن عثمان ) رضي الله عنه مَقامَه [4].

• وعن محمّد بن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّدَ بن عثمان العَمْري أن يُوصِل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أشكَلَت علَيّ، فوقع التوقيع بخطّ مولانا صاحب الدار ( وذكر الخبر وفيه خطّ الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرَجَه ):

« وأمّا محمّد بن عثمان العَمْري ـ رضي الله تعالى عنه وعن أبيه من قبل ـ فإنّه ثقتي، وكتابه كتابي » [5].

وكان مؤتَمَناً أميناً :

• حدّث محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي أنّه خرج ـ بعد وفاة أبي عمرو ( عثمان بن سعيد العمري ) ـ: والابنُ ـ وقاه الله ـ لم يَزَل ثقتَنا في حياة الأب ـ رضي الله عنه وأرضاه ونضّر وجهه ـ يجري عندنا مجراه، ويسدّ مَسدَّه، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل، تولاّه الله، فانْتَهِ إلى قوله، وعرِّفْه معاملتنا ذلك [6].

وهكذا أجمعت الشيعة على وثاقته وعدالته واستقامته، وممّا جاء في ذلك: قال أبو العباس: أخبرني هبة الله بن محمد ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري عن شيوخه قالوا:

لم تزل الشيعة مقيمةً على عدالة عثمان بن سعيد ومحمّد بن عثمان ـ رحمهما الله تعالى ـ إلى أن تُوفّي أبو عمرو عثمان بن سعيد ـ رحمه الله تعالى ـ وغسّله ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان وتولّى القيام به، وجعل الأمر كلَّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته؛ لِما تقدّم له من النصّ عليه بالأمانة والعدالة، والأمرِ بالرجوع إليه في حياة الإمام الحسن ( العسكريّ ) عليه السّلام وبعد وفاته في حياة أبيه عثمان بن سعيد، لا يُختلَف في عدالته، ولا يُرتاب بأمانته، والتوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمّات طول حياته بالخطّ الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيرَه، ولا يُرجَع إلى أحدٍ سواه. وقد نُقلَت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يده، وأمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الأمر بصيرة، وهي مشهورة عند الشيعة [7].

أخباره.. وآثاره :

• عن عبدالله بن جعفر الحِميرَي: سألت محمّدَ بن عثمان رضي الله عنه: رأيتَ صاحب هذا الأمر ؟ قال: نعم، وآخِرُ عهدي به عند بيت الله الحرام وهو عليه السّلام يقول: « اللّهمّ أنْجِزْ لي ما وعدتَني ».

ورأيته متعلّقاً بأستار الكعبة في المُستجار وهو يقول: « اللّهمّ انتَقِمْ لي مِن أعدائك » [8].

• وعن حالة التستّر والكتمان في شأن غيبة المولى صاحب الأمر عليه السّلام.. قال عليّ بن صَدَقة القمّي: خرج إلى محمّد بن عثمان رضي الله عنه ابتداءً مِن غير مسألة لِيُخبِرَ الذين يسألون عن الاسم ( اسم الإمام الحجّة المهديّ صلوات الله عليه ).

« إمّا السكوتُ والجَنّة، وإمّا الكلام والنار! فإنّهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دَلُّوا عليه [9].

• وقد أخبر محمّد بن عثمان العمري بالأمر الذي لا يقف عليه إلاّ نبيّ أو إمام [10]. كما أخبر رضوان الله عليه أن الإمام صاحب الأمر حجّة الله المهديّ صلوات الله عليه لَيحضر موسم الحجّ كلَّ سنة.. يرى الناسَ ويعرفهم، ويَرَونه ولا يعرفونه [11].

وأمّا آثاره وكتبه رضي الله عنه.. فقد قال ابن نوح: أخبرني أبو نصر هبة الله ابن بنت أمّ كلثوم بنت أبي جعفر قال: كان لأبي جعفر العمريّ محمّد بن عثمان كتبٌ مصنّفة في الفقه، ممّا سَمِعها من: أبي محمّد الحسن ( العسكريّ ) عليه السّلام، ومِن الصاحب عليه السّلام، ومِن أبيه عثمان بن سعيد عن أبي محمّد ( العسكري ) وعن أبيه عليّ بن محمّد ( الهادي ) عليه السّلام. ذكرت الكبيرة أمّ كلثوم بنت أبي جعفر ( العَمريّ ) رضي الله عنها أنّها وصلت إلى أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه عند الوصيّة إليه، وكانت في يده.

قال أبو نصر ( هبة الله ): وأظنّها قالت: وصلت بعد ذلك إلى أبي الحسن السَّمَري ( علي بن محمد ـ السفير الرابع ) ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ [12].

ثمّ الرحيل :

بعد مهامٍّ جسيمةٍ وخطيرةٍ أدّاها هذا السفير المخلص بكلّ تضحية وأمانةٍ وإخلاص.. كانت وفاته رضوان الله عليه في التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة أربعٍ وثلاثمائة أو خمسٍ وثلاثمائة للهجرة النبويّة الشريفة.

ورُوي أنّه حفر لنفسه قبراً وسوّاه بالساج، ونقش فيه آياتٍ من القرآن الكريم وأسماءَ الأئمّة عليهم السّلام على حواشيه، فسُئل عن ذلك فقال: للناس أسباب. وكان في كلّ يومٍ ينزل في قبره ويقرأ جزءً من كتاب الله ثمّ يصعد. وسُئل بعد ذلك ـ كما ينقل العلاّمة الحليّ في رجاله ـ فقال: أُمِرتُ أن أجمع أمري. فمات بعد ذلك بشهرين (13).

• وحدّث أبو الحسن عليّ بن أحمد الدلاّل القمّي أنّه دخل عليه يوماً ليسلّم عليه، فوجده وبين يديه ساجة ونقّاش ينقش عليها ويكتب آياً من القرآن وأسماء الأئمّة عليهم السّلام على حواشيها، فسأله عن الساجة فأجابه:

ـ هذه لقبري تكون فيه وأُوضَع عليها ( أو قال: أُسنَد إليها ).. وأنا في كلّ يوم أنزل فيه فأقرأ جزءً من القرآن فيه فأصعد.

ثمّ أخذ العَمري بيد الدلاّل القمّي فأراه قبره.

أمّا قبره.. فيذكر أبو نصر هبة الله أنّه عند قبر والدته في شارع باب الكوفة ببغداد، في الموضع الذي كانت فيه منازله [14]. وهو اليوم واقع في مقبرةٍ كبيرة قرب درب سلمان رحمه الله، ويُعرَف عند أهل بغداد بـ « الشيخ الخلاّنيّ » [15].

————–

الهوامش :

[1] سفينة البحار ، الشيخ القمي 1/754

[2] الكافي ، الشيخ الكليني 1/77

[3] الغيبة ، الشيخ الطوسي 219

[4] الغيبة ، الشيخ الطوسي 220

[5] الغيبة ، الشيخ الطوسي 220

[6] الغيبة ، الشيخ الطوسي 220

[7] الغيبة ، الشيخ الطوسي 220-221

[8] الغيبة ، الشيخ الطوسي 222

[9] الغيبة ، الشيخ الطوسي 222

[10] بحار الأنوار ، الشيخ المجلسي 51/316

[11] الغيبة ، الشيخ الطوسي 221

[12] الغيبة ، الشيخ الطوسي 221

[13] رجال العلامة الحلي 849

[14] الغيبة ، الشيخ الطوسي 223

[15] سفينة البحار ، الشيخ القمي 1/755