السيدة فاطمة المعصومة عليها الصلاة والسلام

السيدة فاطمة المعصومة


بنت الإمام موسى الكاظم عليهما الصلاة والسلام



ولادتها :

وقد غاب عنا كثير من الحقائق وخفيت علينا وقائع كثيرة، وذهبت في طي النسيان، ومنها تاريخ ولادة السيدة المعصومة (عليها السلام)، فلم يرد في شيء من الروايات ذكر السنة التي ولدت فيها فضلاً عن اليوم أو الشهر.

وما بأيدينا من المصادر التي ذكرت تاريخ ولادتها (عليها السلام) هي في الحساب متأخرة جدّاً، ولم تذكر مستنداً لذلك، بل ذكر بعض الكتاب أن ذلك أمر مجهول[1].

ونحن وإن ننقل ما ذكره المؤلفون إلا أننا لسنا على يقين، وتبقى حلقة مفقودة تضاف إلى كثير من الحلقات الضّائعة من تاريخ أهل البيت (عليهم السلام).

ذكر بعض المؤلفين ـ ونسبه إلى المؤرخين ـ أنّ ولادتها (عليها السلام) كانت سنة 183هـ، هي السّنة التي استشهد فيها والدها الإمام الكاظم (عليه السلام)، في قول أكثر المؤرخين)[2].

مسيرها إلى طوس :

ومضى عام على رحيل أخيها عنها فهاجت بها لواعج الحنين والشوق إلى أخيها الغريب، وقد علم الإمام (عليه السلام) بحال أخته، فإنّها لم تغب عن قلبه، وهو يعلم شدّة تعلّقها به، فكتب إليها كتاباً يطلب منها القدوم عليه، وأعطاه أحد غلمانه، وأمره بالمسير إلى المدينة ولا يلوي علي شيء، ولا يقف في طريقه إلا بمقدار الضرورة ليوصل الكتاب في أسرع وقت ممكن، وقد أعلمه الإمام (عليه السلام) بالمكان والبيت لئلا يسأل أحداً من الناس.

وأغذّ الغلام المسير يواصل ليله ونهاره، حتى شارف المدينة، وجاء إلى بيت الإمام (عليه السلام) وسلّم الكتاب إلى فاطمة المعصومة (عليها السلام)[3].

وما إن وقع بصرها على خطّ الإمام حتى تذكرت أخاها، وما كان له معها من شأن، وكأنّه لم يمض عام واحد فحسب، وإنّما عشرات الأعوام.ثم إنّها تهيأت للمسير.

وهذا الأمر هو ما نرجّحه على القول بأنّ فاطمة المعصومة (عليها السلام) غادرت المدينة من تلقاء نفسها، فإن ذلك ينافي جلالة قدرها، وعظمة شأنها، وسموّ نفسها، وإن كان الخطب جليلاً، على أنّها كانت في حمى ابن أخيها الجواد (عليه السلام)، فعلى فرض أنّ موضوع الكتاب لم يثبت من ناحية تاريخيّة إلا أنّها وهي العالمة بأنّ ابن أخيها إمام معصوم مفترض الطاعة فلابد من استئذانه.

على أن التهيّؤ بموكب قوامه اثنان وعشرون شخصاً من الأخوة وأبنائهم والغلمان[4] في مسيرها (عليها السلام) لم يكن ليتمّ إلا عن رضا وموافقة وإذن.

ولذا فإنّا وإن لم يثبت لنا الأمر من ناحية تاريخية ـ وما أكثر ما ضاع من الأحداث والوقائع وحلّ محلها الزّيف والبهتان ـ إلا أنّنا بملاحظة حال السيدة فاطمة وشأنها ومكانتها في العلم والمعرفة لا نقبل بل لا نتوهم أنها خرجت من تلقاء نفسها لمجرّد أنّها رغبت في لقاء أخيها، فإذن ذلك يتنافى مع ما علمناه من مقامها.

وهي وإن كانت على موعد مع مدينة قم وأهلها الذي سيسعدون بها، وسينفتح لهم باب من أبواب الجنّة، وستكون فاطمة المعصومة (عليها السلام) سيدة هذه البلدة الطيبة، وهو السر الخفيّ الذي يحدو بها للمسير ـ وسيوافيك الحديث عن ذلك ـ إلا أن جلالة قدرها وعظمة شأنها تقتضيان أن يكون خروجها مرعياً بنظر المعصوم (عليه السلام).

هذا، وقد ذكرت المصادر أنّها لما أزمعت الرّحيل إلى لقاء أخيها في طوس، أعدّت للسفر عدّته، وتهيأ ركب قوامه اثنان وعشرون شخصاً ضمّ بعض أخوتها، وبعض أبنائها وغلمانهم، وساروا يقطعون البيد والقفار واتخذوا من الطريق المؤدي إلى قم مساراً لهم إلى طوس.

وفي الوقت نفسه تهيأ ركب آخر من بقيّة أخوتها ومن انضمّ إليهم، وخرجوا قاصدين إلى طوس حيث الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد ذكروا أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) قد استأذن المأمون في قدومهم، وكان قوام هذا الركب ثلاثة آلاف شخص، فقد التحق بهم عدد كبير من بني أعمامهم وأولادهم وأقاربهم ومواليهم، كما التحق بهم في مسيرهم أعداد كبيرة من الشيعة رجالاً ونساءً حتى بلغوا قريباً من خمسة عشر ألف شخص[5].

وقد اختاروا المسير عن طريق شيراز وكان في طليعة هذا الركب أحمد ومحمد والحسين أبناء الإمام الكاظم (عليه السلام)[6].

وقد بلغت أنباء هذا التحرّك إلى المأمون فأثار في نفسه التوجّس فإن عدداّ ضخماً كهذا العدد لابد وأن يثير في نفسه تخوّفاً وتهيّباً، ولا سيّما أنه يعلم أن الإمام الكاظم (عليه السلام) ذهب ضحيّة غدر أبيه هارون الرشيد، ولم تمض مدة كافية ينسى هؤلاء المثكولون فقد أبيهم، وما خلفه موته من أحزان وآلام، ولا شك أن هؤلاء يعلمون أن ما اتخذه المأمون من تدابير سياسية ـ على خلاف ما هو المعهود والمألوف من بني العباس من الفتك والبطش بالعلويين ـ ما هي إلا مجرّد تغطية واحتواء للأزمة الخانقة آنذاك.

على أن وصول الرّكب العلوي بهذا العدد إلى عاصمة الحكم قد يشكّل خطراً على سياسة الحكم، ويفشل الخطط المرسومة، ولذا ما إن وصل الركب إلى أطراف شيراز حتى أوعز المأمون إلى ولاته بصدّهم ومنعهم عن المسير وإرجاعهم إلى المدينة[7].

وما راعهم إلا أربعون ألف شخص من جنود بني العباس تحت إمرة والي شيراز يقطعون الطريق عليهم، وهم على مقربة من شيراز، ودخل الطوفان في معركة دامية أسفرت عن انكسار الوالي وجنوده، فلجأوا إلى الحيلة فأشاعوا فيهم أنّه إذا كان الغرض الوصول إلى لقاء الرضا فإنّ الرضا قد مات، الأمر الذي قد أدّى إلى زعزعة أفراد هذا الركب وتشتت شملهم وتفرّقهم في أطراف البلاد[8].


أسمائها وألقابها:

فاطمة – المعصومة – كريمة أهل البيت – الطاهرة ـ الحميدة – البرّة – الرشيدة – التقي – النقيّة – الرضية – المرضيّة ـ السيدة – أخت الرضا – الصدّيقة – سيدة نساء العالمين.

وسواء ثبتت هذه الألقاب والأسماء أو لم تثبت إلا أن من الواضح انطباق ما تضمنته من معان ودلالات على هذه السيدة الجليلة.

وفاتها :

لم يرد في شيء من الروايات تاريخ اليوم أو الشهر الذي رحلت فيه السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) عن الدنيا، وإنّما ورد ذكر السّنة فقط، فقد جاء في تاريخ قم أنّه لمّا أخرج المأمون الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو لولاية العهد في سنة مائتين من الهجرة خرجت فاطمة أخته تقصده في سنة إحدى ومائتين، فلمّا وصلت إلى ساوة مرضت[9].

وتقدّم أنّها مكثت في قم سبعة عشر يوماً في منزل موسى بن خزرج بن سعد الأشعري. وأما تاريخ اليوم أو الشهر فلم يذكرا.

وقد اختلفت الأقوال في تحديدهما، وذكر أحد الباحثين[10]، أنّها ثلاثة:

القول الأول: العاشر من ربيع الثاني، وهو المنقول عن كتابي (نزهة الأبرار في نسب أولاد الأئمة الأطهار) للسيد موسى البرزنجي الشافعي المدني، و(لواقح الأنوار في طبقات الأخيار) لعبد الوهاب الشعراني الشافعي.

القول الثاني: الثاني عشر من ربيع الثاني، وهو المذكور في كتاب (مستدرك سفينة البحار) للشيخ النمازي.

القول الثالث: الثامن من شهر شعبان، وهو المنقول عن كتاب (العربيّة العلويّة واللّغة المرويّة) وللمحدّث الحرّ العاملي.

وقد رجّح بعض الباحثين القول الأول لا اعتماداً على المصدرين المذكورين، وإنّما لبعض القرائن والشواهد، وذكر واحدة منها، قد لا تكون موجبة للترجيح عند غيره[11].

وعلى أي تقدير فقد اختلف في سنة ولادتها كما تقدم فضلاً عن اليوم والشهر وما أكثر الاختلافات في التاريخ، وحسبك أن تعلم أن المسلمين اختلفوا في يوم ميلاد النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، ويوم وفاته، فكيف بأهل بيته (عليهم السلام)؟!!

على أن أسباب الاختلاف كثيرة يوم ذاك، فليس من العجب أن يهمل ذكر اليوم أو الشهر أو السّنة التي ولدت فيه السيدة فاطمة (عليها السلام) وكذا اليوم أو الشهر الذي رحلت فيه، ولولا أن ذكر السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) قد اقترن بقضيّة إخراج الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة لأهمل ذكر السّنة التي توفيت فيها أيضاً، كما أهمل ذكر السّنة التي ولدت فيها، إذ لم يكن ثمّة مؤرخ يعني بتسجيل الأحداث وضبطها، وإذا كان هناك من يؤرّخ فإنّما هو لتسجيل أمور تافهة وحقيرة ـ كما يقول السيد العاملي ـ فيسهب في وصف مجلس شراب أو منادمة حتى لا يفوته شيء منه أو يختلق ويفتعل أحداثاً لم يكن لها وجود إلا في عالم الخيالات والأوهام، أو يتكلّم عن أشخاص لم يكن لهم شأن يذكر بل قد لا يكون لهم وجود أصلاً.. بينما نراه في نفس الوقت يهمل بالكلّية شخصيات لها مكانتها وخطرها في التاريخ، أو يحاول تجاهل الدور الذي لعبته فيه، ويهمل ويشوّه أحداثاً ذات أهميّة كبرى صدرت من الحاكم نفسه أو من غيره، ومن بينها ما كان له دور هام في حياة الأمة ومستقبلها، وأثر كبير في تغيير مسيرة التاريخ، أو يحيطها ـ لسبب أو لآخر ـ بستار من الكتمان والإبهام[12].


زيارتها :

ومع كفاية حضور الزائر عند المزور والسلام عليه في تحقّق الزيارة، إلا أنّه قد ورد نصّ خاص عن الإمام الرضا (عليه السلام) في كيفية زيارة السيدة المعصومة، كما ذكر ذلك العلامة المجلسي (قدس سره) في البحار، قال: رأيت في بعض كتب الزيارات: حدّث علي بن إبراهيم عن أبيه، عن سعد عن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، قال: قال: يا سعد عندكم لنا قبر، قلت: جعلت فداك قبر فاطمة بنت موسى (عليهما السلام)، قال: نعم، من زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة، فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبّر أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبّح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمد الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، ثم قل:

السلام على آدم صفوة الله، السلام على نوح نبي الله، السلام على إبراهيم خليل الله، السلام على موسى كليم الله، السلام على عيسى روح الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا صفي الله، السلام عليك يا محمد بن عبد الله خاتم النبيين، السلام عليك يا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيّ رسول الله، السلام عليك يا فاطمة سيدة نساء العالمين، السلام عليكما يا سبطي نبي الرحمة وسيّدي شباب أهل الجنّة، السلام عليك يا علي بن الحسين سيد العابدين وقرّة عين الناظرين، السلام عليك يا محمد بن علي باقر العلم بعد النبي، السلام عليك يا جعفر بن محمد الصادق البارّ الأمين، السلام عليك يا موسى بن جعفر الطّاهر الطّهر، السلام عليك يا علي بن موسى الرضا المرتضى، السلام عليك يا محمد بن علي التقي، السلام عليك يا علي بن محمد النقي الناصح الأمين، السلام عليك يا حسن بن علي، السلام على الوصي من بعده، اللهم صلّ على نورك وسراجك، ووليّ وليّك، ووصيّ وصيّك، وحجّتك على خلقك.

السلام عليك يا بنت رسول الله، السلام عليك يا بنت فاطمة وخديجة، السلام عليك يا بنت أمير المؤمنين، السلام عليك يا بنت الحسن والحسين، السلام عليك يا بنت ولي الله، السلام عليك يا أخت ولي الله، السلام عليك يا عمّة ولي الله، السلام عليك يا بنت موسى بن جعفر، ورحمة الله وبركاته.

السلام عليك، عرّف الله بيننا وبينكم في الجنّة، وحشرنا في زمرتكم، وأوردنا حوض نبيّكم، وسقانا بكأس جدّكم، من يد علي بن أبي طالب، صلوات الله عليكم، أسأل الله أن يرينا فيكم السرور والفرج، وأن يجمعنا وإيّاكم في زمرة جدّكم محمد (صلّى الله عليه وآله)، وأن لا يسلبنا معرفتكم إنّه وليّ قدير.

أتقرّب إلى الله بحبّكم، والبراءة من أعدائكم، والتسليم إلى الله راضياً به، غير منكر ولا مستكبر، وعلى يقين ما أتى به محمد وبه راضٍ، نطلب بذلك وجهك يا سيدي، اللهم ورضاك والدار الآخرة، يا فاطمة اشفعي لي في الجنة فإنّ لك عند الله شأناً من الشأن.

اللهم إنّي أسألك أن تختم لي بالسعادة، فلا تسلب منّي ما أنا فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم استجب لنا وتقبّله بكرمك وعزتك، وبرحمتك وعافيتك، وصلى الله على محمد وآله أجمعين، وسلّم تسليماً يا أرحم الراحمين[13].

—————

الهوامش

[1] رياحين الشريعة: ج5، (فارسي)، ص31.

[2] أعلام النساء المؤمنات، ص576.

[3] كريمة أهل البيت (عليهم السلام)، ص493-494.

[4] سيدة عش آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ص73، والحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)، ص428.

[5] سيدة عش آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ص69.

[6] سيدة عش آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ص71.

[7] سيدة عش آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ص69-70.

[8] سيدة عش آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ص70-71.

[9] تاريخ قم، ص213.

[10] كريمة أهل البيت (عليهم السلام)، ص.

[11] كريمة أهل البيت (عليهم السلام)، ص.

[12] الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)، ص14.

[13] بحار الأنوار، 102، ص265-267.