آية الله الميرزا محمد باقر الحائري الإحقاقي ” المعروف بميرزا آغا “

آية الله الميرزا محمد باقر الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف

" المعروف بميرزا آغا "

 

اسمه ونسبه:

هو آية الله  الميرزا محمد باقر بن الميرزا موسى بن الميرزا محمد باقر الآخوند محمد سليم الإحقاقي الحائري الأسكوئي المشهور بـ"ميرزا آغا" .

 

نشأته العلمية:

كان الميرزا آغا فقيهاًً قديراً ، حكيماً عارفاً ، طبيباً حاذقاً ، ومن العلماء الأجلاّء ، والفقهاء العظام في عصره, أتمّ دراسة العلوم العقلية والنقلية في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف لدى والده المعظم وأخيه الفاضل وسائر أساتذته حوزات كربلاء والنجف وأقام مدة من الزمان في الكويت والأحساء وسوق الشيوخ مشتغلاً بالتبليغ ونشر الأحكام والمناهج الإسلامية وإقامة صلاة الجماعة , ومن خصائص العجيبة أنه كان – دون أن يدرس العلوم الطبية أو يتخرج من كلية الطب ، بل بالجدارة الذاتية والعلم الإلهية – طبيباً حاذقاً ، وحكيماً ماهراً ، وكان يقوم بعلاج أغلب الأمراض المستعصية ، ومنها " داء السل " الذي كان في حينه لا علاج له ، وما زال إلى اليوم ذكره الحسن وشرحه وتفسيره الطبّي محيراً للعقول ، ومداواته لمرضاه في الكويت والأحساء والبحرين جارية على ألسن جميع من عرفوه.

وكان أعلى الله مقامه يسافر سنوياً لمرة واحدة للهند ليجلب معه أنواعاً مختلفة من الأعشاب الطبية والأدوية والمحتاجة إليها.

وللحق لا بّد أن يقال أنّه كان مصداقاً لـ " العلم علمان : علم الأبدان وعلم الأديان " فكان جامعاً للعلمين معاً فهو طبيب الأبدان والأديان.

وينقل والدي الماجد كثيراً من الذكريات والقصص المحيّرة للعقول من معالجات ذلك العلاّمة الفهّامة أعلى الله مقامه ، ومن تلك الذكريات هذه الذكرى التي سأنقلها بدوري للقارئ الكريم وهي تبينّ لنا عجيب ما في طبّه ، ولو أردتُ تفصيل وشرح العلاجات المحيّرة للألباب لذلك الطبيب الحاذق ، والماهر ، الحكيم الروحاني والجسماني ، سأخرج عن نطاق هذا المختصر ، وفي كتابها جميعاً نحتاج إلى كتاب ضخم.

أجل … يقول والدي حفظه الله وأبقاه : في يوم من الأيام جاء إليه كويتيان ، وأظهروا له تعبهما وانزعاجهما الجسمية ، وبدأ أحدهما والمسمى بحسن حديثه ، وكانت علائم المرض الشديد بادية على وجهه ، ويبدو عليه النحافة والخمول والضعف ، قائلاً لأخي المعظّم المرحوم ميرزا آقا :

– مولاي . منذ أشهر ابتليت بمرض مجهول ، وأظنّ أن مصدره في رئتيّ ، وراجعت في سبيل ذلك أطباءاً ماهرين وأخصائيين في مدينة الكويت والهند ، ومجموعة من الدكاترة في الطب القديم والحديث ، وقد صرفت وأنفقت دنانير كثيرة وتحملت مشاق السفر ، فوصفوا لي مختلف الأدوية والعقاقير ، ولكن مع الأسف الشديد ليست فقط أن هذه الأدوية لم تنفع بها بها بل أنّها زادت الطّين بلّة وتدهورت صحتي أكثر وزاد المرض شدة ، وأظن أن المرض أخذ مني مأخذاً ، وإن الأيام القادمة لهي آخر أيام حياتي ، لذلك كله يا سيدي اضطررت أن أدقّ بابكم باب العلم ودار الشفاء ، وكلي أمل بأن تقومو بعلاجي من هذا المرض الخبيث ، وأن لا تردّوني خائباً.

بنظرات ثاقبة منه أعلى الله مقامه إلى وجه المريض ، وبعد أخذ نبض يده ، قال له :

– مع الأسف يا حسن فإنك مصاب بمرض داء السلّ ، ولكنني اطمئنك بأنك بعد التوكل على الله الشافي الحقيقي ، وعلى إثر الأدوية التي أصفها لك سترجع صحتك وعافيتك كما كانت ، ولكنني قبل أن أشرع بعلاجك سأشترط معك شرطين اثنين لا بد أن تأخذ بهما بعين الاعتبار:

الأول : أن تراجعني يومياً لتناول دوائك باشرافي ، لأنك لا بد أن تأخذ الدواء في الوقت المحدّد ، ودون زيادة أو نقصان ، لأنه لو أخللت بكمية أو كيفية تناول الدواء ، فانه سيفقد أثره الواقعي في شفاءك.

الثاني : أن تتجنّب الأغذية المضرّة سيّما تناول الشاي أو القهوة.

فإذا عملت بهذين الشرطين ستشفى بحول الله وقوته ، ولكنّك إذا خالفت فستبقى صحتك متدهورة كما أنت الآن.

ورمز الشفاء من المرض هو التناول الصحيح للأدوية ، والاجتناب عن المضرات والمنبّهات ، لذلك يقول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث له : "المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء".

ووعد ذلك المريض العمل بنصائح الطبيب ، وأن يشرع أخي المعظم من اليوم نفسه في القيام بعلاجه.

ويضيف والدي حديثه قائلاً : وفي يوم آخر كنت جالساً عند أخي خارج بيتنا بمدينة الكويت ، فجاء ذلك المريض كي يتناول دواءه , فأخذ أخي نبض يده كعادته ، ثم أصغى ملياً لضربات نبضه ، وفجأة رفع يديه وهو يقول له :

من اليوم لن أعطيك الدواء ، وسأصرف النظر عن علاجك ! قال المريض : سيدي ، وما السبب في ذلك؟ فأجابه : لقد تناولت البارحة الشاي أو القهوة ولم تجتنب عما منعتك منه.

فأراد أن ينكر في البداية ، ولكنه بعد ذلك أقرّ بأنه غفل البارحة وشرب كأساً من الشاي.

يضيف والدي قائلاً : فتعجّبتُ من فطنة وذكاء أخي ، ورأيته يُخبر عن تناول المريض للشاي ، فقط عندما أخذ نبض يد ذلك الشخص.

وهذا دلالة واضحة على حذاقة الطبيب وتشخيص للمرض من لون وجه المريض أو نبض يده ، والأخبار والإعلام من عدم اجتناب ووقاية المريض نادرة وشاذة ، وهذا النوع من العجائب والغرائب كثيرة في الحياة الشخصية والعملية والعلمية لعمي المعظم رضوان الله عليه.

وأنه لمن دواعي الأسف أن تلك العلوم الطبية القيّمة التي أعطت ووهبت الحياة والنجاة من الموت المحتوم لأشخاص كثيرين دفنت تحت التراب بوفاة صاحبها.

ويضيف والدي الماجد وهو يتحدث قائلاً :

– وبعد أيام من العلاج المكثّف لذلك المريض رجعت صحته وعافيته ببركة علاجات أخي وأدويته الشافية ، وقد عاش بعد ذلك سنوات ، من عمره ، وهو في كامل صحته ونشاطه.

والهدف من نقل هذه الذكرى والقصة هو بيان وكشف مهارة عمي المعظم عطّر الله رمسه الشريف في علم الطب ، والذي كان يعالج أولئك المرضى الذين يئسوا الحياة أو كادوا أن يقعوا بين براثين الموت ، فيأخذ بأيديهم ويرفعهم إلى سفينة الحياة بإذن الشافي الحقيقي العلي القدير ذو الجلال والإكرام.

وكان أعلى الله مقامه لا يقبض مالاً أو بدل أتعاب بأيّ عنوان كان مقابل علاجاته الطبية أو خدماته الدينية ، بل إن خدماته كانت قربة إلى الله تعالى وخالصة لوجهه ، ومع ذلك كان يدير حياته المعيشية ، بالقليل الذي كان عنده ، وهذا العمل من أعلى الله مقامه لا بدّ أن يكون حافزاً ودرساً وبرنامجاً لجميع الدكاترة والعلماء ، ليكون عملهم قربة إلى الله تعالى ، وبعيداً عن الأطماع المادية والدنيوية ، وإلاّ فإنه سيفسد المجتمع ، وستموت الأجسام والأرواح ، وتبقى مريضة عليلة ، وتفقد الأرواح نور الإيمان ، كما نشاهدها – الجسم والروح – اليوم في أغلب المجتمعات الإنسانية وحتّى تلك التي تدّعي المدنيّة والحضارة ، وأعوذ بالله من عواقب هذه الأمور .

وصفوة القول:الطب والروح لا بد أن لا تكونا في خدمة المال والمادة ، وإلاّ فإنّ مفهوم الكلمة الحكيمة التي قالها أحد المعصومين عليهم السلام ستظهر في العيان : "إذا فسد العالِم فسد العالَم" . وكما نشاهد اليوم : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } (الروم : 41) .

أعاذنا الله سبحانه من شرّ الدرهم والدينار اللذان هما أساس حبّ الدنيا والشهوات ، يقول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم : "حبّ الدنيا رأس كل خطيئة" .

 

وفاته:

توفي عمي المعظم المولى محمد باقر بن الميرزا موسى أعلى الله مقامهما في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام (1353 هـ) ، وذلك بمدينة تبريز ، وهو بعيد عن أهل بيته ، وحلّقت روحه الطاهرة إلى أعلى العليين بجوار مواليه الكرام البررة عليهم السلام ، ونقل جثمانه الطاهر بعد ذلك إلى مثواه الأخير بمدينة كربلاء المقدسة ، حيث دفن في مقبرة العائلة بجوار قبر والده الماجد وجدّه المعظّم أعلى الله مقامهم ، ورفع في الخلد أعلامهم .

وقد خلّف رضوان الله عليه وراءه ولدين صالحين هما الحاج ميرزا صادق وهو طبيب أسنان ، والحاج ميرزا صالح وهو من أهل الفضل والعلم ، اضافة إلى بنتين صالحتين مخدّرتين ، وجميعهم والحمد لله على قيد الحياة . وصلّى الله على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر/ كتاب قرنان من الاجتهاد والمرجعية ، للميرزا عبدالرسول الحائري أعلى الله مقامه


أكتب تعليقاً