الشيخ محمد تقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أعلى الله مقامه


الشيخ محمد تقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أعلى الله مقامه

نسبه:

هو الشيخ محمد تقي ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن داغر بن رمضان بن راشد بن دهيم بن شمروخ آل صقر القرشي الأحسائي المطيرفي.

فهو ينتهي إلى صقر كبير قبيلة المهاشر وهي من فروع قبيلة بني خالد، وقد كانوا أمراء الأحساء قبل أن تقام الدولة السعودية. وقبيلة بني خالد قبيلة كبيرة تنتهي إلى قبيلة بني مخزوم، وبنو مخزوم أحد عشائر قريش الكبيرة، وهي تنسب إلى مخزوم بن يقضة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فبنو مخزوم تلتقي مع الرسول الأعضم صلى الله عليه وآله وسلم في جده مرة، فالشيخ قدس سره قرشي عدناني.

وأما المطيرفي فهي قرية من القرى الشمالية للأحساء، وهي قرية متوسطة الحجم، وقد برز اسمها بسطوع نجم الشيخ أحد بن زين الدين الأحسائي قدس سره، إذ هي قريته.

والأحسائي نسبة إلى الأحساء، وتقع الأحساء في شرق الجزيرة العربية، وتحديداً في شرق المملكة العربية السعودية، ومن مفاخرها أنها دخلت في الإسلام -في السنة السادسة من الهجرة النبوية- بسبب رسالة أرسلها لها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك فضلهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلهم أفضل أهل المشرق، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليأتين ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الركاب، وأفنوا الزاد، بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالاً، هم خير أهل المشرق)). وفيها أقيمت أول جمعة جمعت بعد مسجل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة. وقد خرج منها كثير من الشخصيات الإسلامية، ومنها: رشيد الهجري، وأبناء صوحان العبدي – زيد ، صعصعة، سيحان – وابن فهد الأحسائي، وأبناء أبي جمهور، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.

أسرته:

مع أن قرية المطيرفي قرية نائية، انتشر فيها الجهل، ولا يعرف أهلها من الأحكام شيئاً، إلا أن الله سبحانه وتعالى أخرج من هذه الأسر عن هذا الحال، حيث خرج منها علماء حكماء.

أما جده الشيخ زين الدين، فمع عدم وصول شيء من أحواله، إلا أنه يستفاد من بعض النصوص التاريخية أمور:

1- أنه من أهل العلم؛ وذلك أن بعض الأعلام في إجازتهم لابنه الشيخ قدس سره لقبه بالشيخ، وهو لقب لا يعطى إلا من وصل إلى رتبة علمية تعرف في الحوزات العلمية.

2- يمكن أن يقال إنه على مستوى عالٍ من العلم والتقوى، وذلك أن السيد كاظم الرشتي وصاحب صحيفة الأبرار لقباه بالمقدس، وهو لقب لا يعطى إلا لمن كان على درجة عالية من العلم والتقوى. بل نص الميرزا موسى الحائري قدس سره على علميته وفضله، فقال: ((وأما أبوه شيخ زين الدين كان عالماً عاملاً كاملاً)).

3- أنه كان شاعرً وذلك يستفاد من بعض أبيات ابنه الشيخ الأوحد قدس سره، مثل:

فإن أحمد يرجو من جنابكـم

أن تقبلوها بتقصيري وإقراري

وتشفعوا لي وزين الدين والدي

الذي رثاكم وأمي ثم للجاري

وقال ابنه أيضاً:

وإني بحمد الله أحمـد فيكـم

نظامي وزين الدين ينعاك راثيا

أبي فانظرونا والأخلاء فيكـم

ومن قد علمتم من أحبائي دانيا

وقال أيضاً:

فأحمد يا مولاي يرجوك شافعاً

إليكم ما بي فاشفعوا يا محاسبي

كذلك زين الدين والدي الذي

رثاكم وأمي ثم أهلي وصاحبي

وأما والده – الشيخ أحمد – فهو كالشمس الساطعة في أفق السماء قد تكلم عنه الكثير، وألف في حياته كتب، فلا نطيل الكلام.

ولا بأس بنقل كلام صاحب الرياض السيد علي الطباطبائي قدس سره في حقه: ((إن من أغلاط الزمان، وحسنات الدهر الخوان، اجتماعي بالأخ الروحاني والخل الصمداني، العالم العامل والفاضل الكامل، ذي الفهم الصائب والذهن الثاقب، الراقي أعلى درجات الورع والتقوى والعلم واليقين، مولانا الشيخ أحمد بن الشيخ زين الدين الأحسائي دام ظله العالي. فسألني، بل أمرني أن أجيز له ما صحت لدي إجازته، واتضح لي روايته من مصنفات علمائنا الأبرار وفقهائنا الأخيار بالأسانيد المتصلة إلى الأئمة الأطهار وخلفاء الرسول المختار)).

وأما إخوته فقد قال فيه والدهم قدس سره: ((وكان مما تفضل علي عز وجل أن رزقني ذرية كرّمهم الله بالعلم…)).

وقال الميرزا موسى الحائري قدس سره : ((وكان له أولاد كلهم مجتهدون)).

ولادته ودراسته:

ولد قدس سره في الأحساء من والدين كريمين، وفي أسرة علمية، ولم تذكر المصادر تاريخ ولادته بالتحديد، إلا أنه ولد قبل سنة 1193هـ، وذلك أن أخاه الأصغر الشيخ علي نقي ولد – تقريباً – في هذه السنة، لا كما قيل من أنه ولد في حدود عام 1200هـ.

والدليل على ذلك أن الشيخ علي نقي انتهى من تأليف رسالة في أجوبة مسائل السيد حسين بن عبدالقاهر البحراني في العشرين من ربيع الثاني عام 1214هـ، وكتب الناسخ في نهايتها: (كان عمره أطال الله بقاه حين تأليفها اثنين وعشرين سنة إلا أشهر).

وبعد مضي سنين من عمره بدأ الدراسة الحوزوية فأخذ على جملة من علماء الأحساء وعلى والده قدس سره، ثم سافر إلى والده قدس سره إلى العراق وإيران، وكان قدس سره في سوق الشيوخ -الناصرية- عام 1220هـ وقد زاره والده في تلك السنة وترك عنده ابنه الشيخ عبدالله قدس سره لغرض الدرس والتحصيل، وربما كان سبب بقائه فيه هو الدراسة، التدريس، أو غيره؟

وبعد ذلك سافر إلى إيران بصحبة والده الشيخ قدس سره، وسكن قزوين، وأخذ الفقه والأصول على الشيخ الشهيد محمد تقي البرغاني وأخيه الشيخ محمد صالح البرغاني، وأخذ الفلسفة على ملا علي البرغاني – تلميذ والده الشيخ الأحسائي – وملا آغا الحكمي القزويني وملا يوسف الحكمي القزويني.

أساتذته:

قد عرفنا مما سبق أنه تتلمذ على علماء الأحساء، ولكن تُذكر أسماؤهم، وما ذكر من أساتذته:

1- والده الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.

2- الشيخ الشهيد محمد تقي البرغاني القزويني.

3- الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني.

4- الشيخ محمد علي البرغاني القزويني.

5- ملا آغا الحكمي القزويني.

6- ملا يوسف الحكمي القزويني.

إجازاته:

لقد حصل قدس سره في عام 1236هـ على إجازة من والده قدس سره أشرك فيها أخاه الشيخ علي نقي قدس سره، وأجازه أيضاً بإجازة شمل الشيخ محمد علي البرغاني – تلميذ الأب وأستاذ الابن – والشيخ علي نقي، وهي موجودة عند الأستاذ عبد الحسين الصالحي في قزوين بدون تاريخ.

علمه وفضله:

كان الشيخ قدس سره عالماً متميزاً، مع أن الشيخ قدس سره عاش في عصر فتح علي شاه، الذي راج في عصره العلم والأدب، وكثر العلماء فيه – ويكفي وجود والده الذي خطف الأضواء – إلا أنه قد بزغ نوره وأثبت جدارته وعلميته.

كتاب (رسالة شاه زاده) خير دليل على ذلك، إذ أن المصنف ألّفه جواباً على أسئلة وردت من الشاه فتح علي إلى حفيده شاه زاده محمد حسين ميرزا، وقد أمره الشاه أن يسأل من يراه عالماً، عاثراً على خفايا الأمور عن نظر في أسرار الخليقة وسار بنور الشريعة في طريقة الحقيقة.

هذا بالإضافة إلى أقوال العلماء – في حقه – التي تدل على علو قدره، ورفعة منزلته.

قال والده الشيخ الأوحد قدس سره: (وكان مما تفضل عليَّ عز وجل أن رزقني ذرية كرمهم الله بالعلم، وكان كبيرهم سناً وعلماً هو الابن الغر محمد تقي أعزه الله وهداه وجعلني من المنية فداه…).

وقال أيضاً في تقريضه لكتاب جواهر العقول – تأليف الابن – : ( إنه قد عرض عليَّ الولد الأعز، ذي الشرف، وخير خلف، وقرة عين …).

وقال صاحب الروضات: (وكان له – أيضاً – ولدان ، فاضلان ، مجتهدان ، سما: محمداً، وعلياً).

وقال ميرزا موسى الحائري: (كان له أولاد ثلاثة كلهم مجتهدون…).

وقال السيد محسن الأمين: (كان له ولدان فاضلان، أحدهما يسمى محمداً، والآخر علياً).

وقال ميرزا علي الحائري الأحقاقي: (وأما الشيخ محمد تقي قدس سره فهو أكبرهم وأقدمهم وله تصانيف في المنقول والمعقول توفي زمان والده المرحوم من تصانيفه كتاب جواهر العقول في تقرير قواعد الأصول كتاب جليل يشهد لصاحبه الغوص في تيار علم لا يساحل والبلوغ إلى ذروة فضل لا يحاول).

وقال الشيخ عبدالهادي الفضلي: (محمد تقي، وكان عالماً مجتهداً …).

وقال الأستاذ عبدالحسين الصالحي: (هو أرشد أولاد أبيهن كان من علماء الأصوليين، وكبار الفقهاء، وأهل الفضل، ومثالاً للورع والتقوى).

مؤلفاته:

1- رسالة في الاجتهاد والتقليد، كتبها في جواب سؤال الشيخ عبدالله بن محمد علي القطيفي، تقرب من ثلاثين صحفة. وهي موجودة عند الأستاذ الصالحي بقزوين.

2- جواهر العقول في تقرير الأصول، وهو في أصول الفقه وقد قرضه أباه.

3- رسالة شاه زاده.

4- كتاب في الطلاسم.

شعره:

لقد عرف هذا البيت بالعلم والشعر، فقد عرفنا سابقاً أن جد المصنف كان شاعراً، وكذلك والده الشيخ أحمد قدس سره عرف بالشعر، وكذلك الشيخ علي نقي – الأخ الأصغر – له ديوان شعر مطبوع.

وأما شيخنا المترجَم له فلم ينقل عنه إلا أبيات معدود نقلها والده قدس سره في كشكوله، وسببها أن الشيخ محمد تقي قدس سره سمع أبيات في جابر، وهي:

يا ذا الـذي بعلومـه

ضل الأوائل والأواخر

ما أنـت إلا كاسـر

كذب الذي سماك جابر

فقال الشيخ محمد تقي قدس سره:

يـا ذا الـذي بعلومـه

أغنى الأوائل والأواخـر

مـا أنـت إلا جـابـر

كذب الذي سماك كاسر

فالحكمـة النـوراء يـد

خل خدرها من كان ماهر

ما كل من صحب الأمـا

ني حيث صار القوم صائر

فقال الأب عندما وقف على مدحه لجابر:

يا ذا الـذي بعلومـه

ضل الأوائل والأواخر

ما أنـت إلا كاسـر

كذب الذي سماك جابر

غطى الضيـا بظلامـه

والبخل شيمة كل فاجر

كالليـل فـي مثالـه

مذ صح أن الليل كافر

وقال الشيخ علي نقي ابن الشيخ الأوحد الأحسائي:

يا ذا الـذي بعلومـه

أغنى الأوائل والأواخـر

مـا أنـت إلا جابـر

العلماء وللجهال كاسر

قالوا بأنك كاسر صدقوا

وإنـك كنـت جابـر

أنت الضياء لعالـم رف

بل والظلام لكل قاصر

وفاته:

لقد اختلف في تاريخ وفاته، فقيل: إنه قد توفي عام 1275هـ، ولا نعلم ما الدليل على ذلك.

وأما القول الثاني فهو أنه توفي قبل والده الشيخ أحمد الأحسائي، أي قبل عام 1241هـ، وبعد الثامن عشر من شهر رمضان عام 1240هـ، وهو تاريخ تأليف رسالة شاه زاده ويمكن ترجيحه، وذلك لعدة أمور:

1- قال الشيخ علي نقي قدس سره:

يا رماني زماني بالبلا والمصائـب

وأوقفني غرضاً لسهـم النوائـب

وماكرني فـي مستفـز صروفـه

وعاملي من صفـوه بالشوائـب

وأضنى فؤادي واستجد مصائبـي

أخي وابن عمي والرجال الأطائب

هذه الأبيات رثاء لأحد أبناء الشيخ علي نقي قدس سره، وقد كان يتمنى أن يكون كفيلاً لأيتامه من بعده، وبهذه المناسبة هاجت على الشيخ قدس سره الذكريات فذكر وفاة أخيه وابن عمه وغيرهما، ومن المعلوم أن للشيخ أخوة قد ماتوا في سنة الطفولة والمراهقة، وما كبر إلا ثلاثة، الشيخ عبدالله، وقد ألف رسالة في سيرة والده بعد موته، والشيخ حسن، وقد كان مع والده في سفره الذي مات فيه. فعلى هذا لم يقصد الشيخ علي نقي قدس سره إلا أخاه الشيخ محمد تقي قدس سره.

هذا بالإضافة إلى أن ذكر الشيخ علي نقي الأخ وابن العم فقط دليل على وجود الأب وحياته، وإلا لو كان ميتاً لذكره، وكيف لا يذكره وهو الذي يتألم بسبب عدم مشاهدة والده فكيف بموته، وقد قال في فراق ألفته:

يا ابكي فراقك عيني إن فرقتنا

أبلت محاسن لا تبلى مدى العمر

لما عدى صرف دهر في تفرقنا

أفنى للذاتنا والدهـر ذو غيـر

2- قد نص على ذلك الميرزا موسى الحائري قدسر سره وقوله أقدم القولين، وذلك القول الأول ذهب إليه الأستاذ عبدالحسين الصالحي، وتبعه السيد هاشم الشخص، وهما من المتأخرين، وهذا بخلاف الميرزا موسى (1279-1364هـ) فهو أقدم، وأعرف برجال مدرسة الشيخ الأوحد الأحسائي، هذا بالإضافة إلى أنه ليس بينه وبين الشيخ الأوحد إلا والده – الميرزا محمد باقر قدس سره – وتلميذ الشيخ الأوحد الأحسائي ميرزا حسن جوهر، فهو من أهل البيت، وأهل البيت أدرى بالذي فيه.

3- إنك لو راجعت المصادر التي ذكر الشيخ محمد تقي قدس سره ترى أنه ذكر في عام 1220هـ، وهو عام زيارة الأب للابن في سوق الشيوخ، وذكر عام 1236هـ، وهو عام إجازته من أبيه الشيخ قدس سره، وذكر عام 1240هـ، وهو عام تأليفه قدس سره لكتاب (رسالة شاه زاده)، وبعد هذا التاريخ لا تجد له أي ذكر.

4- قد عرفنا مما سبق وجود علاقة قوية بين الأب والابن، ومع هذا قد نص السيد كاظم الرشتي قدس سره وغيره على الوصي للشيخ الأوحد الأحسائي – الأب – ابنه الشيخ علي نقي قدس سره، ومن المعلوم أنه اصغر من أخيه الشيخ محمد تقي قدس سره، ولو كان الأكبر حياً لما عداه وخصوصاً أن الأب كان يعتبره أعز وأعلم الأبناء، وأنه قرة عينه وخير خلف.

وخلاصة الكلام أن القول الثاني هو الراجح، هذا وقد استظهر السيد هاشم الشخص – حفظه الله تعالى – أنه توفي في مدينة قزوين بإيران، لأنها المحطة الأخيرة لسكناه، والأظهر أنه توفي في كرمانشاه، وذلك أن كتاب (رسالة شاه زاده) ألفه الشيخ قدس سره جواباً على مسائل الشاه فتح علي، وقد وصلته بواسطة شاه زاده محمد حسين بن محمد علي ميرزا، وقد كان محمد علي ميرزا حاكماً على كرمانشاه.

الأب والابن:

ذكر بعض المؤرخين أن الشيخ محمد تقي قدس سره كان يختلف مع أبيه، بل كان ينكر عليه أشد الإنكار.

والكلام على هذا يقع في نقاط:

أ‌- قال الشيخ الأوحد في حق ابنه الشيخ محمد تقي: (وكان مما تفضل علي عز وجل أن رزقني ذرية، كرّمهم الله بالعلم. وكان كبيرهم سناً وعلماً هو الابن الأعز محمد تقي – أعزه الله وهداه ، وجعلني من المنية فداه – التمس مني أن أذكر بعد أحوالي …). وقال: (إنه قد عرض عليّ الولد الأعز ، ذي الشرف، وخير خلف ، وقرة عين …). إذا دققت في هذا الكلام ترى وجود علاقة قوية بين الوالد والولد فوق علاقة البنوة والأبوة، حتى أن الوالد يدعو الله تعالى أن يكون فداءً لابنه، ولو كان مخالفاً لطريقته – في العقائد – لما دعى الله تعالى له بذلك.

ب‌- إن الشيخ محمد تقي قد عرض على والده كتابه في الأصول المسمى بجواهر العقول، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اهتمام الابن برأي والده.

‌ج- إن الشيخ محمد تقي كان يهتم بتصانيف والده، حيث إنه قد دون بقلمه الشريف أحد تصانيف والده، وهو مجموعة جواب مسائل تبلغ (66) مسألة وهذا يدل على اهتمام الابن بنشر علم والده والمحافظة على كتب والده عن الانقراض.

‌د- إن الشيخ الأوحد كان يعتمد على ولده الشيخ محمد تقي في المسائل العلمية، حيث إن الشيخ الأوحد أودع ابنه الشيخ عبدالله عند الشيخ محمد تقي لغرض الدرس والتحصيل، وهذا يدل على أن الشيخ لا يخالف والده في المسائل العقائدية.

‌هـ- لو سلمنا وجود الإنكار لا نسلم صحة قول المنكر، إذ الإنكار أعم من صحة المنكر، فلو أنكر علي على حسن ليس بالضرورة صحة قول علي وأنه مصيب في إنكاره على حسن.

‌و- لو سلمنا وجود الاختلاف نتساءل: في أي شيء هو؟

للإجابة على هذا السؤال احتمالات:

الاحتمال الأول:

وجود الخلاف في المسائل التي هي من ضروريات الدين أو المذهب، لا شك في عدم وجود مثل هذا الاختلاف، إذ الشيخ وابنه من علماء الإمامية.

قال الشيخ عبدالحسين آل كاشف الغطاء في حق الشيخ أحمد – الأب – : (والحق أنه رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم، وكان على غاية من الورع والزهد والاجتهاد في العبادة).

وقال السيد هاشم الشخص: (ويمكن القول أن الشيخ أحمد لا يختلف أبداً في أصول العقائد عن سائر الشيعة الإمامية الأثني عشرية…).

الاحتمال الثاني:

وجود الاختلاف في بعض فروع المسائل العقائدية، وبعبارة أخرى الاختلاف في جزئية من جزئيات المسائل الفرعية العقائدية، التي هي تخرج الشيخ عن كونه إمامي، ولا تخرجه عن اتباع مدرسة فكرية كما وقع ذلك في مدرسة ملا صدرا قدس سره، فمع وجود علماء يتبعون أفكاره ويدافعون عنها، إلا أن بعضهم خالفه في بعضها، ولم يخرجه هذا من تبعيته لملا صدرا وهذا النوع من الاختلاف وإن لم نجه في عبائر الشيخ محمد تقي قدس سره إلا أنه لا يخرج الابن عن تبعيته لأبيه، وكتاب (شاه زاده) خير دليل على هذه التبعية، ومن الأمثلة على ذلك:

1- قال الأب قدس سره: (خلق الله ذلك الفعل الذي هو المشيئة بنفسه).

قال الابن قدس سره: (اعلم أن الشيء المكوَّن بنفسه هو الفعل والمشيئة).

2- قال الأب قدس سره: (الحقيقة المحمدية هي محل المشيئة).

قال الابن قدس سره: (الحقيقة محل المشيئة المكوَّنة بنفسها).

3- قال الأب قدس سره: (أن الهواء المعروف كالإمكان بالنسبة إلى المواد).

قال الابن قدس سره: (اعلم أن الهواء بالنسبة إلى اللفظ كالإمكان بالنسبة إلى المواد الكونية).

هذا نموذج من التطابق في الأفكار بين الأب والابن، وهو خير دليل على التبعية والانسجام.

وأحب أن أقول هنا: إن الاختلاف في المسائلة الجزئية في العقائد يوجب الإشارة إليه في الكتب، ولا التأكيد عليه، بل مما لا ينبغي الإشارة إليه، إذ أن مثل هذا الاختلاف قد وقع بين العلماء، بين التلميذ والأستاذ، بين الأخ وأخيه، بين الأب وابنه.

الاحتمال الثالث:

وجود الاختلاف بينهما في طريقة استنباط الأحكام الفقهية وذلك بأن يكون أحدهما أصولي والآخر أخباري، وقد قيل: بأن الشيخ أحمد – الأب – أخباري، ولذلك أنكر الابن على أبيه، إذ الابن أصولي.

ويمكن الاستدلال على ذلك: بأن الابن ألّف رسالة في الاجتهاد والأخبار، وقال صاحب الذريعة في وصفها: (ذهب فيها إلى خلاف طريقة أبيه)، وحدد نوعية الاختلاف في الكرام البررة، فقال : (كان معرضاً عن طريقة والده في الأخبارية)، وقال في الذريعة والكرام إنه بسبب هذا الاختلاف تصدى الشيخ شبير الخاقاني للرد عليه، فألف كتاباً أسماه: لسان التنين في أجوبة حفيد زين الدين.

وهذا الكلام مردود لما يلي:

1- مع أن الأصولية والأخبارية من الفرقة الناجية، إلا أن الشيخ الأوحد أحمد الأحسائي قدس سره من الأصولية وليس من الأخبارية، والأدلة على ذلك كثيرة، ولكن قبل ذكرها لا بأس أن نبين أهم الفروق بين الأصولية والأخبارية.

قد ذكروا فروقاً كثيرة، وأهمها:

أ‌- (الاجتهاد والتقليد، فأوجب الأصوليون الاجتهاد كفاية، وأوجبوا على العامي تقليد المجتهد؛ ومنع الأخباريون من الاجتهاد، ومن تقليد المجتهد).

في هذه المسألة يقول الشيخ أحمد الأحسائي قدس سره: (الرجل إذا عمل برهة من الزمان غير مقلد للفقيه فإن كان علم بوجوب التقليد على غير المجتهد في جميع تكاليفه العملية فأعماله باطلة إن خالفت المعروف من المذهب بلا خلاف).

ب‌- تقليد الميت، ذهب الأصوليون – الأغلب – عدم جواز تقليد الميت، وذهب الأخباريون جوازه.

وقال الشيخ الأوحد الأحسائي قدس سره: (وأما وجوب العمل بقول المجتهد الحي فهو مما لا ريب فيه على كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، فمن نقص عن الاجتهاد وأخذ برأيه واستدلاله فقد هلك وأهلك).

ت‌- الفتوى، ذهب الأصوليون إلى أنه لا تجوز الفتوى إلا مع الاجتهاد، والأخباريون يجوزونها للرواة عن المعصومين المطلعين على أحكامهم.

وقال شيخنا قدس سره: (ومثل ما في التوقيع عن الحجة عليه السلام: ((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم)).

والمراد بهم العلماء الذين يحكمون بدينهم، ويأخذون عنهم، لا مطلق الرواة كما هو ظاهر).

ث‌- الأدلة، الأدلة عند الأصوليين أربعة: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل.

وأما عند الأخباريين فالأدلة هما: الكتاب والسنة.

وقال الشيخ الأوحد الأحسائي قدس سره: (إن الأدلة التي يمكن استنباط الحكم منها أربعة: الكتاب ، والسنة ، ودليل العقل ، والإجماع).

وخلاصة الكلام أن الشيخ أحمد الأحسائي قدس سره من الأصوليين، وقد قال بأن المكلف إما أن يكون مجتهداً وإما مقلداً، ولا يجوز عنده تقليد الميت، والفتوى لا تكون إلا من المجتهد، والأدلة عنده أربعة الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

فما قيل من أنه من الأخباريين بعيد عن الواقع والصواب. هذا مع التأكيد مرة أخرى على أنه لا فرق بين الأخبارية والأصولية إلا في طريقة استنباط الأحكام، فالكل من الإمامية، والكل أخوة.

2- ما قيل من أن الشيخ شبير الخاقاني ألّف (لسان التنين) للرد على الشيخ محمد تقي قدس سره اشتباه وقع فيه صاحب الذريعة وتبعه عليه من جاء بعده، وذلك أن صاحب الذريعة لم ير الكتاب بل ذكره بواسطة كتاب (كشف الحجب)، وإذا رجعنا إلى (كشف الحجب) نرى أن الشيخ شبير قدس سره ألّف الكتاب جواباً على مسائل سألها الشيخ محمد تقي قدس سره، وإليك نص العبارة: (لسان التنين في أجوبة حفيد زين الدين، تأليف الشيخ شبير الخاقاني، كان في حدود سنة ثلاثين ومائتين بعد الألف، والسائل الشيخ محمد بن الشيخ أحمد…).

وصفو المقال أن الشيخ أصولي وابنه أصولي، وما استدل به على أخباريته محض اشتباه، سببه عدم التأني والاعتماد على الغير.